للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فعمله في هذا الجزء هو امتداد لعمله في «كتاب الروضتين» على نحو ما، وعلينا ألا ننسى أن هذا الجزء قد استدركه وهو في نحو الستين من عمره كما أسلفت (١).

أما في جزئه الثاني - وهو يمثل المرحلة الأولى من تأليفه، التي تضم حوادث سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) حتى سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) - فمنهجه فيه مختلف تمام الاختلاف عن جزئه الأول.

في هذه المرحلة الأولى بدأ أبو شامة في التأليف التاريخي، وهو في نحو السابعة والعشرين من عمره (٢)، وقد أخذ على نفسه فيه أن يؤرخ ما جرى في زمانه مما عاينه، أو بلغه مما استثبته، وأن يذكر فيه من مات من المعارف والإخوان، والأقارب والجيران، وذوي الثروة والسلطان، وقد حداه إلى ذلك كثرة من يموت من المعارف، فأراد إثباتهم لعل بمطالعتهم يجد قلبا على الإقبال على الآخرة يساعف (٣).

ومن ثم لم يستقص فيه كل ما وقع في عصره من الحوادث إلا تلك التي شهدها، أو بلغته واستثبتها، ولم يترجم لمعاصريه إلا لمن يعرفه، ولن يذكر في ترجمته إلا ما ترك في نفسه من أثر ليعود إليه للذكرى، فهو بهذا المعنى إنما يكتب انطباعاته عن عصره ورجاله، فلا تعنيه الحادثة التي يدونها أن تكون قد وقعت على خلاف ما يعرفه، فهو لن يتتبع أخبارها، ولن يجمع أطرافها، سيكتفي في حديثه عنها بما شاهده منها، ولا يهمه ممن يترجم له ألا تكون له جوانب أخرى لم يتطرق إليها، لأن ما يكتبه عنه هو ما يعرفه فيه، ثم إنه لن يكتب إلا عمن يعرف، ولو كان من الأقارب والجيران، ممن تهمله عادة كتب التاريخ، ولهذا يمكن أن نعد ما كتبه أبو شامة في «المذيل» مذكرات تاريخية، يكاد يكتبها لنفسه، وقد ترك لقلمه أن ينثر فيه نتفا من أخباره، وبعضا من أحلامه، ولم يضع له عنوانا يعرف به، ولا غاية يصل إليها.


(١) انظر ص ٤١٠ من هذا الكتاب.
(٢) انظر ص ٤٠٩ من هذا الكتاب.
(٣) «المذيل»: ١/ ٢٣ - ٢٤.

<<  <   >  >>