قد أوتي رقة في القلب (١)، وفصاحة في اللسان، فولاه المعظم التدريس في المدرسة العزيزية، فكان الطلبة والفقهاء يجتمعون على درسه، فيأخذ بمجامع قلوبهم لحسن عبارته (٢)، من هؤلاء الطلبة أبو شامة، ومن هؤلاء الفقهاء الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وقد أعجب العز به غاية الإعجاب حتى إنه كان يقول دائما: ما سمعت أحدا يلقي الدرس أحسن منه، وما علمنا قواعد البحث إلا من سيف الدين الآمدي (٣).
وكان في كل ليلة ثلاثاء وجمعة يعقد في جامع دمشق مجلسا للمناظرة يحضره أكابر العلماء للاستفادة منه (٤)، وكان ممن يحضر في ليالي الجمع الملك المعظم، فيصغي إلى بحثه ومجادلته، وكان الآمدي حين يأخذ في البحث والمناظرة لا يقدر أحد من العلماء على مجاراته (٥).
أما العالم الثاني، فقادم من مصر، وهو المقرئ النحوي أبو عمرو عثمان بن عمر، المعروف بابن الحاجب، لأن أباه كان جنديا حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحي (٦)، وكان في نحو السادسة والأربعين من عمره (٧)، وقد برع في علمي القراءات والعربية حتى فاق فيهما أقرانه، وكان متقنا لمذهب مالك بن أنس (٨). وكان على شدة ذكائه عفيفا متواضعا، عنده حياء وإنصاف، وقد تصدر للتدريس في
(١) «مرآة الزمان» (وفيات سنة ٦٣١ هـ) بتحقيقي. (٢) «عيون الأنباء»: ص ٦٥٠. (٣) «طبقات الشافعية» للسبكي: ٨/ ٣٠٧. (٤) المصدر السالف. (٥) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٨. (٦) وفيات الأعيان: ٣/ ٢٤٨، معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٢٨٧. (٧) ولد في آخر سنة (٥٧٠ هـ)، وقدم دمشق سنة (٦١٧ هـ،)، انظر «وفيات الأعيان»: ٣/ ٢٥٠، و «المذيل»: ٢/ ٩٠. (٨) «المذيل»: ٢/ ٩٠، وفيات الأعيان: ٣/ ٢٥٠.