للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عهد جديد، ولربما عادت به ذاكرته إلى سنة (٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م) حين التقى ابن خلكان أول مرة بحلقة شيخه تقي الدين ابن الصلاح في دار الحديث الأشرفية (١)، وكان قد قدم دمشق في تلك السنة، وأقام بها عاما واحدا، يقرأ فيها على الشيخ ابن الصلاح، ثم رجع بعدها إلى حلب (٢)، ومنها سافر إلى مصر، وأقام بها تلك السنين (٣) كلها حتى قدم الآن دمشق قاضيا لبلاد الشام.

ولعل أبا شامة قد أمل به خيرا في إصلاح القضاء في هذا العهد الجديد، فلن تصلح حياة المسلمين ما دام قضاؤهم فاسدا، بل إن فساد القضاء هو أس الفساد كله، ولا قوام للمجتمع إلا بقهر ملك وعدل قاض كما كتب مرة (٤)، قهر ملك يحفظ الأمن، ولم تعدم الأمة هؤلاء الملوك القاهرين، وعدل قاض يحفظ الحق، وقد طال انتظار الأمة وهي ترقب مجيء هؤلاء القضاة العادلين.

وما كان أبو شامة لينتظر في هذا العهد الجديد، وهو يؤمل فيه ما يؤمل، منصبا يعيد إليه اعتباره، وهو عالم دمشق الكبير، والفقيه الذي بلغ مرتبة الاجتهاد (٥) وهي مرتبة لم يبلغها أحد من معاصريه، لقد نفض يديه من المناصب كلها، وها هو يعيش في عزلته الهادئة مع أسرته، يزرع بستانه، ويفلح أرضه، ليتقوت من ثماره (٦)، بل إنه قد أصاب شيئا من الثروة من عمله ذاك، وغدا بستانه، وقد اتسعت أرضه، في أيام الغلاء والشدة ملجأ للفقراء واليتامى يجدون في ثماره ما يعينهم على فقرهم ويتمهم (٧).


(١) انظر ص ٩٥ من هذا الكتاب.
(٢) «وفيات الأعيان»: ٣٣/ ٧ من مقدمة د. إحسان عباس.
(٣) «وفيات الأعيان»: ٣٤/ ٧ من مقدمة د. إحسان عباس.
(٤) «المذيل»: ١/ ١٥٢.
(٥) «المذيل»: ١/ ١٤٥.
(٦) انظر ص ١٩٠ من هذا الكتاب.
(٧) انظر ص ٢٥١ من هذا الكتاب.

<<  <   >  >>