للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

نحو ربع قرن يقرأ على شيخها يومئذ الفقيه الحافظ تقي الدين عثمان بن الصلاح (١)، فتجيش في نفسه هذه الذكرى، فإذا به ينظم أبياتا يقولها بديهة، يتحسر فيها على حالها:

لست بدار حديث … ولا بمغني فلاح

من بعد ما مات زنطا … ر والتقى ابن الصلاح

هذاك للوقف والشي … خ للعلوم الصحاح (٢)

وزنطار هذا كان يعرف بالحاج زنطار، وكان الملك الأشرف واقف دار الحديث قد اعتمد عليه في عمارة الدار ووقفها، والنظر في ذلك، وفي خدمة الأثر الشريف النبوي فيها (٣)، فكان رزقها في أيامه متوافرا، واختل ذلك بموته كما اختل الاشتغال بالعلم فيها بعد موت الشيخ ابن الصلاح (٤).

كان أبو شامة يرثي لحال دار الحديث الأشرفية، وما عليها من إهمال وخراب، وقلبه يتميز غيظا من هؤلاء المنتفعين الذين لا هم لهم إلا مصالحهم الضيقة ورفاهية حياتهم، ولو كان في حياتهم موت العلوم والمدارس، ولكي تحيا لا بد من الوقوف في وجه أطماعهم، وتعريتهم وفضحهم على الملأ، وإن كانوا مختبئين تحت عمائم العلماء وطيالسهم.

وستصبح من بعد قضية الأوقاف والاستيلاء عليها شغل أبي شامة الشاغل. بعد ذيوع خبر مقتل السلطان قطز حسب التتار أن لحظة انتقامهم من هزيمة عين جالوت قد دنت، فجمع بيدرا فلول كتائب التتار من أطراف الشام والعراق مع من


(١) انظر ص ٩٤ من هذا الكتاب.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٥٦.
(٣) كان فيها نعل النبي ، انظر «الوافي بالوفيات»: ٧/ ١٧٦ - ١٧٧.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٥٦ - ١٥٧.

<<  <   >  >>