الدراهم باسمهما (١)، وكأنه بذلك يعلن تبعيته الاسمية للقاهرة، غير أن الظاهر بيبرس لم يقنع بهذا، وراح يتربص لإعادة ضم دمشق إلى مملكته.
في تلك الأثناء كانت منزلة أبي شامة في دمشق في ارتفاع، ومؤلفاته قد اشتهرت، وكثرت النسخ بها (٢)، فقد كان من قلة قليلة من العلماء الذين ثبتوا في دمشق حين دهمها التتار، ولم يجفل منها مع من جفل من أهلها.
ثم إنه تعرض لمحنة كادت تودي بحياته، وقد أنجاه الله منها (٣)، فقد بات أبو شامة لأول مرة في حياته يتقدم الصفوف ليصلي إماما على من يموت من أعيان دمشق ومشايخها وزهادها، وهي منزلة لا يدركها إلا عالم كبير قد انعقدت القلوب على محبته وإجلاله.
ففي (١٧) ذي الحجة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) توفي العفيف بن رحمة، وهو رجل صالح، كان خياطا في محل مجاور لجامع دمشق، فصلى عليه أبو شامة إماما خارج باب النصر، وحضر دفنه بمقابر الصوفية العليا (٤)، وفي طريق عودته مر بدار الحديث الأشرفية، وقد انقطع عنها زمنا طويلا لانشغاله في بستانه، فهاله ما أصابها من خراب صورة ومعنى على حد تعبيره (٥)، فقد استولى المتنفذون على أوقافها يأكلونه، فتشعث بناؤها وتهدم، وقل الاشتغال بالعلم فيها، وكان يتولى مشيختها في ذلك الوقت القاضي الخطيب عماد الدين عبد الكريم بن القاضي جمال الدين بن الحرستاني (٦)، ويعود بخياله إلى ما كانت عليه من بهاء يوم كان يختلف إليها قبل
(١) «المذيل»: ٢/ ١٥٦. (٢) «المذيل»: ١/ ١٤١. (٣) انظر ص ٢٥١، ٢٦١ - ٢٦٢ من هذا الكتاب. (٤) «المذيل»: ٢/ ١٥٦. (٥) المصدر السالف. (٦) «المذيل»: ٢/ ١٩٥.