في عين جالوت، يا لعجائب هذه الأمة التي لا تنقضي، ويكتب أبو شامة في تاريخه:«فبين هاتين الأعجوبتين المتشابهتين نحو من عشر سنين إلا أن السابقة كانت في أوائل سنة ثمان وأربعين، وهذه المتأخرة كانت في أواخر سنة ثمان وخمسين، والله تعالى يحسن العاقبة»(١).
إنها أعجوبة حقا، وتتابع دمشق حياتها، منتظرة ما ستسفر عنه هذه الأحداث.
وكان الظاهر بيبرس يوم جلس بالإيوان من قلعة الجبل بالقاهرة قد كتب إلى الملوك والنواب يخبرهم بسلطنته (٢)، وقد ورد هذا الخبر إلى دمشق في أوائل ذي الحجة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) فامتعض من ذلك الأمير علم الدين سنجر، وأنف من طاعة بيبرس (٣)، فجمع الأمراء، وحلفهم لنفسه، فأجابوه كلهم، لم يتأخر عنه أحد، ولقب نفسه بالملك المجاهد، وخطب له بالسلطنة، وضربت الدراهم باسمه إيذانا بانفصاله عن القاهرة، وكاتب الملك المنصور صاحب حماة يدعوه إلى مبايعته، فلم يستجب له، قائلا: أنا مع من يملك الديار المصرية كائنا من كان (٤).
ولما رأى علم الدين سنجر أن أحدا من ملوك الأطراف لم يبايعه (٥) حاول تخفيف وقع انفصاله عن القاهرة، فأمر بأن يخطب للظاهر بيبرس بدمشق يوم الجمعة سادس ذي الحجة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) ثم يذكر اسمه من بعده، وضربت
(١) «المذيل»: ٢/ ١٥٥. (٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٣٨. (٣) المصدر السالف. (٤) «المختصر في أخبار البشر»: ٣/ ٢٠٨، «الوافي بالوفيات»: ١٥/ ٤٧٤. (٥) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٤٠.