للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أن مات صابرا ساكتا، لم يئن، ولم يشتك، ولم يزد على نظره إلى رجليه وجانبيه، تارة يمينا، وتارة شمالا، وتارة ينظر إلى الناس، بل إنه استسقى ماء، فلم يسق، وتألمت قلوب من عنده رحمة وشفقة على خلق الله تعالى من أنه صبي صغير، وقد ابتلي بمثل هذا البلاء، والمياه تتخرق بجوانبه وهو ينظر إليها، ويتحسر على قطرة منها، وهو صابر على ذلك، فسبحان من له الأمر والحكم.

ومنها أنه أسرع إليه الموت تخفيفا من الله تعالى عليه، فإنه بقي يومين وليلتين، وأخبرت أن جماعة من الرجال جرى لهم مثل هذا الصلب والتسمير، وأن المنية تأخرت عنهم أياما زيادة في عذابهم.

وكان قد أصابه في اليوم الثاني اختلال، فلم يبق يحس بالألم والعطش، ولم ينتظم كلامه، بل صدرت منه ألفاظ دالة على اختلاله، خفف الله تعالى بذلك عنه، وقد كان يغفي أحيانا، ثم ينتبه مرعوبا لشدة الألم، فتتقطع لذلك قلوب الناظرين إليه غير أنه يذكر الله تعالى.

وأخبرت أن بعض الموكلين به سأله في غداة يوم السبت أو الأحد عن حاله، فكان جوابه أن قال: طيب مع الله.

وبلغني أنه لما سمر لم يسمع منه سوى كلمة واحدة، وذلك أن الذي سمره لما وضع المسمار في العضد صادف العظم، فقال له: يا فتى تجنب العظم.

وبلغني أن الذي سمره توفي ذلك اليوم أو الذي بعده، وهذا من عجائب ما اتفق، فأخبر الصبي بذلك إرادة إعلامه أن الله تعالى جازاه بفعله، فقال الصبي، وهو في تلك الشدة: هو في حل، لا ذنب له. أي أن الذنب لمن أمره بذلك.

وكان من أجمل الصبيان، وأحسنهم وجها، وأطولهم شعرا، وكان في حالة صلبه مكشوف الرأس، والذؤابة من شعره مسترسلة خلفه، فلعبت بها الرياح، فأدارتها إلى صدره، فبقي يتناولها بفيه يولع بها، ويتشاغل بالعبث بها.

<<  <   >  >>