وكان أبو شامة في ذلك الوقت يدرس بالمدرسة الشامية البرانية (١)، فكثيرا ما كان يسلك الطريق إليها من العادلية، مارا بقرب قلعة دمشق.
* * *
وقد اتفق له أثناء مروره بها ضحوة يوم الاثنين (١٩) ربيع الأول سنة (٦٤٦ هـ/ ١٢٤٨ م) أن رأى صبيا مملوكا، كان قد صلب تحت القلعة، ينزلونه بعد موته، وقد اسودت أعضاؤه، فتفطر قلب أبي شامة ألما لمرأى هذا الصبي الصغير، وقد انتهى هذه النهاية القاسية.
كان هذا الصبي مملوكا تركيا لبعض أمراء السلطان الصالح أيوب، وكان يوصف بالشجاعة والشهامة، وهو ممن غزا عسقلان في السنة الفائتة، وقتل فيها جماعة من الصليبيين، لم تشفع له شجاعته وصغر سنه، فقد اتهم بقتل سيده، وكان يدافع عن نفسه أمرا لم يرض وقوعه فيه، فحكم قاضي القضاة صدر الدين ابن سني الدولة بصلبه، ونفذ الحكم نائب دمشق جمال الدين بن مطروح، فصلب ظهر يوم الجمعة (١٦) ربيع الأول على حافة نهر بردى تحت القلعة في آخر سوق الدواب، وجعل وجهه مقابل الشرق، وسمرت يداه وعضداه ورجلاه، وبقي مصلوبا حتى مات ظهر يوم الأحد، ولم ينزلوه إلا ضحوة الاثنين من الغد حيث رآه أبو شامة، وهو في طريقه إلى المدرسة الشامية البرانية (٢).
وإظهارا لشفقتة، وتعبيرا عن أساه وحزنه ساق أبو شامة أخبار صلب هذا الصبي وموته في تاريخه، مدققا في تفاصيلها، لا يكاد يفوته منها خبر، فقال: «وكان منه في صلبه عجائب، فمن ذلك أنه جاد بنفسه للصلب غير ممتنع ولا جازع، بل مد يديه فسمرتا، ثم سمرت رجلاه، وهو ينظر، لم يتأوه، ولم يتغير وجهه، ولا حرك شيئا من أعضائه، وأخبرني من شاهد ذلك منه جماعة، وبقي إلى
(١) «المذيل»: ٢/ ٨٦، وتسمى المدرسة الحسامية كذلك. (٢) «المذيل»: ٢/ ٨٥، ٨٦.