وقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبًا للحق بقلبه، متوليا عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطنًا ولا ظاهرًا؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾، أي: جَذلًا أشرًا بَطرًا كسلانًا، لا همة له ولا عمل، كما قال: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [١]﴾.
وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾، أي: يرجع، ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾. وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾: يختال. وقال قتادة، وزيد ابن أسلم: يتبختر.
قال الله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. وهذا تهديد ووعيد أكيد منه تعالى للكافر به المتبختر في مشيته، أي: يحق لك أن تمشي هكذا وقد كفرت بخالقك وبارئك، كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد.
كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. وكقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾. وكقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾. وكقوله: ﴿اعْمَلُوا [٢] مَا شِئْتُمْ﴾. إلى غير ذلك.
وقد قال ابن أبي حاتم (١٩): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن -يعني: ابن مهدي، عن إسرائيل، عن موسى بن أبي عائشة؛ قال: سألت سعيد بن جبير، قلت: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾؟ قال: قال النبي ﷺ لأبي جهل، ثم نزل به القرآن.
وقال أبو عبد الرحمن النسائي (٢٠): حدثنا [يعقوب بن إبراهيم][٣]، حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة (ح) وحدثنا أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان، حدثنا أبو عوانة، عن
(١٩) أخرجه الطبري (٢٩/ ٢٠٠) من طريق موسى بن أبي عائشة بنحوه. (٢٠) أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، حديث (١١٦٣٨) (٤/ ٥٠٦).