يقول تعالى متوعدًا لمن خالف أمره، وكذب رسله، وسلك غير ما شرعه، ومخبرًا عما حل بالأمم السالفة بسبب ذلك، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا [وَرُسُلِهِ][١]﴾، أي: تمردت وطغَت واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله، ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾، أي: منكرًا فظيعًا.
﴿فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرِهَا﴾، أي: غبّ مخالفتها، وندموا حيث لا ينفع الندم، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، أي: في الدار الآخرة، مع ما عَجَّل لهم في الدنيا.
ثم قال بعد ما قَص من خبر هؤلاء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: صدقوا بالله ورسله، ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكُمْ ذِكْرًا﴾، يعني القرآن. كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [٢]﴾ وقوله: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قال بعضهم: ﴿رَسُولًا﴾ منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة؛ لأن الرسول هو الذي بلغ الذكر.
وقال ابن جرير: الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر يعني تفسيرًا له؛ ولهذا قال: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾، أي: في حال كونها بينة واضحة جلية ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، كقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [. أي: من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإِيمان والعلم. وقد سمى