قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا علي النبي ﷺ قرأ عليهم: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾، حتى ختمها، فجعلوا بيكون وأسلموا ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾، يعني: من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي [٢]: موحدين مخلصين مستجيبين له.
قال الله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا﴾، أي: هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني، ولهذا قال: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾، أي: علي اتباع الحق؛ فإن تجشم مثل هذا شديد علي النفوس. وقد ورد في الصحيحين من حديث عامر الشعبي، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي مرسي الأشعري ﵁ قال: قال: رسول الله-ﷺ:"ثَلاثة يُؤتَون أجْرَهُم مَرّتَين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدي حق الله وحق مواليه، ورَجُل [كانت][٣][له][٤] أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها"(٢٦).
وقال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السِّيلَحيني، حدثنا ابن لَهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: إني لتَحْتَ راحلة رسول الله- ﷺ يوم الفتح، فقال قولًا حسنًا جميلًا وقال فيما قال:"من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا، [ومن أسلم من المشركين، فله أجره وله ما لنا وعليه ما علينا][٥] "(٢٧).
وقوله ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، أي: لا يقابلون السيئ [٦] بمثله، ولكن يعفون ويصفحون؛ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون [٧] علي خَلْق
(٢٦) صحيح البخاري برقم (٩٧)، وصحيح مسلم برقم (١٥٤). (٢٧) المسند (٥/ ٢٥٩).