أحدهما: فما دونها في الصغر والحقارة، كما إذا وُصف رجل باللؤم والشحِّ، فيقول السامع: نعم، وهو فوق ذلك. يعني: فيما وصفت، [وهذا قول الكسائي وأبي عبيد. قاله الرازي وأكثر المحققين.
وفي الحديث:"لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرًا منها شربة ماء"(٢٠٩)] [١].
والثاني: فما فوقها فما هو أكبر منها، لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة.
وهذا [قول قَتَادة بن دعامة][٢] واختيار ابن جرير، [فإنه يؤيده ما رواه مسلم، عن عائشة، ﵂،: أن رسول الله، ﷺ، قال:"ما من مسلم يُشَاك شَوْكةً فما فوقها إلَّا كُتب له بها درجةٌ ومُحيت عنه بي خطيئة"(٢١٠)] [٣].
فأخبر أنَّه لا يستصغر شيئًا يضرب به مثلًا، ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، [كما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها][٤]، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ [٥] لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ
(٢٠٩) - إسناده ضعيف، رواه التِّرمِذي في الزهد، باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله، ﷿، برقم (٢٣٢٠)، من طريق عبد الحميد بن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، ﵁، به، مرفوعًا، وقال أَبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي هريرة. ورواه العقيلي (٣/ ٤٦)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٩٥٦)، وأَبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٣) - جميعهم من طريق عبد الحميد بن سليمان. ورواه ابن ماجة من طريق زكريا بن منظور (٤١١٠)، وكذا الحاكم (٤/ ٣٠٦)، ورواه الطبراني (٦/ ٥٩٢١) من طريق زمعة بن صالح - ثلاثتهم: عبد الحميد، وزكريا، وزمعة - عن أبي حازم. وقال الحاكم: صحيح الإسناد فردَّه الذهبي بقوله: زكريا ضعفوه. وزمعة وعبد الحميد أيضًا ضعيفان. (٢١٠) - صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب برقم ٤٦ - (٢٥٧٢).