وحديث صلاة الكسوف (١٩٥)، وليلة الإسراء، وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى، وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس.
(تنبيه ينبغي الوقوف عليه)
قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بسورة من مثله﴾، وقوله في سورة يونس: ﴿بسورة مثله﴾ يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أو قصيرة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعُم، كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين، كما هو مقرر في موضعه، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين الناس سلفًا وخلفًا.
وقد قال الرازي في تفسيره: فإن قيل قوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر، وقل يا أيها الكافرون، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن. فإن قلتم: إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدار البشر، كان مكابرة، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة إلى الدين. (قلنا): فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني. وقلنا: إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حدّ الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن كذلك كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزا، فعلى التقديرين يحصل المعجز. هذا لفظه بحروفه.
والصواب أن كل سورة من القرآن معجزة، لا يستطع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة، قال الشافعي ﵀ لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.
وقد رُوينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال ﴿والعصر إنّ الإنسان لفي خسر﴾ ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل عليَّ مثلها. فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: واللَّه إنك لتعلم أني لأعلم أنك تكذب] [١].