للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلفت، فإذا صليتم فلا تلعفتوا، وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك، وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ فشدّوا يديه إلى عنقه وقدّموه ليضربوا عنقه، وقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم [١]؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه، وآمركم بذكر الله كثيرًا؛ فإن [٢] مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِرَاعًا في أثره، فأتى حصنًا حصينًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصنُ ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر اللَّه.

قال: وقال رسول اللَّه : (وأنا آمركم بخمس، اللَّهُ أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل اللَّه؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع رِبْقة [٣] الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية [٤] فهو من جُثَى (١٨٦) جهنم".

قالوا: يا رسول اللَّه؛ وإن صام وصلَّى [٥]؟ [فقال: "وإن صام وصلَّى] [٦] وزعم أنه مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم [على ما] [٧] سماهم اللَّه ﷿ المسلمين المؤمنين عباد اللَّه".

هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: "وإن اللَّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا".

[وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من المفسرين -كالرازي وغيره- على وجود الصانع تعالى، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى؛ فإن من تأمّل هذه الموجودات السفلية والعلوية، واختلاف أشكالها وألوانها، وطباعها ومنافعها، ووضعها في مواضع النفع بها محكمة- علم قدرة خالقها وحكمته، وعلمه وإتقانه، وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان اللَّه! أن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟


(١٨٦) - الجثا: جمع جُثوة -بالضم- وهو الشيء المجموع. النهاية (١/ ٢٣٩).