شرع ﵎ في بيان [١] وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عبيده، بإخراجهم من العلم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشا، أي مهدًا كالفراش، مقررة [٢] موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناء وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢] وأنزل [لهم][٣] من السماء ماء -والمراد به السحاب هاهنا- في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهدٌ؛ رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن، ومن أشبه آية [٤] بهذه الآية قوله تعالى: ﴿[][٥] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾. ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا [٦] يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟ قال:"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك … "(١٧٤) الحديث. وكذا حديث معاذ:"أتدري ما حق الله على عباده؟ كان يعبدوه لا يشركوا به شيئًا … "(١٧٥) الحديث، وفي الحديث الآخر:"لا يقولنّ أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم شاء فلان"(١٧٦).
وقال حماد بن سلمة: حدَّثنا عبد الملك بن عمير، عن رِبْعيِّ بن حِراش [٧] عن الطفيل ابن
(١٧٤) - البخاري في التفسير برقم (٤٧٦١)، ومسلم في الإيمان برقم ١٤١ - (٨٦). (١٧٥) - رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي، ﷺ، أمته. برقم (٧٣٧٣)، ومسلم في كتاب الإيمان، برقم ٤٨ - (٣٠). (١٧٦) - صحيح، رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: لا يقل أحدكم: خبثت نفسي برقم (٤٩٨٠)، ورواه النسائي برقم (٩٨٥) في عمل اليوم والليلة، ورواه أحمد (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٣٤١)، وابن أبي شيبة (١٧/ ١٩، ١٠/ ٣٤٦)، والطيالسي (٤٣٠)، وابن السني (٦٧١)، والطحاوي (١/ ٩٠)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢١٦) من حديث حذيفة، ﵁.