للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الذنوب على القلب تحف [١] به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم. قال ابن جريج: الختم على القلب والسمع.

قال ابن جريج: وحدّثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد من [٢] ذلك كله.

وقال الأعمش: أرانا مجاهد بيده، فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه [٣]-يعني الكف، فإذا أذنب العبد ذنبًا ضم منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بأصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعه كلها، [قال: ثم] [٤] يطبع عليه بطابع.

[وقال مجاهد] [٥]: كانوا يُرَون أنّ ذلك الرين [٦]. ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، بنحوه.

قال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما معنى قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ إخبار من الله عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دُعوا إليه من الحق، كما يقال: إن فلانًا لأصم عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهمه تكبرًا.

قال: وهذا لا يصح؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.

[(قلت): وقد أطنب الزمخشري (١١٤) في تقرير ما ردّه ابن جرير هاهنا، وتأوّل الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفة جدًّا، وما جرّأه على ذلك إلا اعتزاله؛ لأنّ الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده، يتعالى الله عنه في اعتقاده، ولو فهم قوله تعالى: ﴿فما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، وقوله: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، والله أعلم.

قال القرطبي: وأجمعت الأمّة على أن الله ﷿ قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب


(١١٤) - تفسير الزمخشري (١/ ٢١).