يذكر الله تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه، وكيفية خلاصهم منهم، وذلك أن الله تعالى أمر موسى وأخاه هارون ﵉ أن يتبوَّءا، [أي: يتخذا][١] لقومهما بمصر بيوتًا.
واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ فقال الثوري وغيره (٨٨)، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: أُمِرُوا أن يتخذوها مساجد.
وقال الثوري أيضًا، عن ابن منصور، عن إبراهيم ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا فى بيوتهم.
وكذا قال مجاهد وأبو مالك، والربيع بن أنس والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبوه زيد بن أسلم، وكأن هذا - والله أعلم - لما اشتد بهم البلاء من قِبَل فرعون وقومه وضيقوا عليهم، أمروا بكثرة الصلاة، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ وفى الحديث (٨٩): كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى أخرجه أبو داود، ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالثواب والنصر القريب.
وقال العوفي، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: لا نستطع أن نُظهرَ صلاتَنا مع الفراعنة، فأذن الله تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قِبَل القبلة.
وقال مجاهد: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال [٢]: لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة، أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرًّا. وكذا قال قتادة والضحاك، وقال سعيد بن جبير: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي:
(٨٨) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٥٣)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٥٢٩)، والفريابي وابن المنذر، وأبو الشيخ وابن مردويه، كما في "الدر المنثور" (٣/ ٥٦٦). (٨٩) - حسن، يأتي (سورة الحجر / آية ٩٩).