في تفاسيرهم، من رواية أبي جعفر الرازي به، ورُوي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف سياقات توافق هذه الأحاديث، اكتفينا بإيرادها عن التطويل بتلك الآثار كلها، وبالله المستعان.
فهذه الأحاديث دالة على أن الله ﷿ استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإِشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [١]. وفي حديث عبد الله بن عمرو [٢]- وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان، كما تقدم، ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإِشهاد إنما هو فَطْرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة [٣]، وعياض بن حمار المجاشعي [٤]، ومن رواية الحسن البصرى عن الأسود بن سريع [٥]، وقد فسر الحسن البصري الآية بذلك، قالوا: ولهذا قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ولم يقل: من آدم، ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل: من ظهره ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ [٦]﴾ أي: جعل نسلهم جيلا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾.
ثم قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أي: أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالًا وقالًا، والشهادة تارة تكون بالقول، كقوله [٧]: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ الآية، وتارة تكون حالا؛ كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ أي: حالهم شاهد عليهم بذلك، لا أنهم قائدون ذلك، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾، كما أن السؤال تارة يكون بالقال [٨]، وتارة يكون بالحال؛ كقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا
= محمد ابن يعقوب الربالي - وهو مستور - وقد توبع كما ترى - وبقية رجاله رجال الصحيح" وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٣٦٣) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٣٧) وابن مردويه - كما في "الدر المنثور" (٣/ ٢٦٠) - ومن طريقه الضياء (٣/ ١١٥٩) - واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (٣/ رقم ٩٩١) من طريق أبي جعفر الرازي - عيسى بن عبد الله بن ماهان - عن الربيع ابن أنس به، وصححه الحاكم (٢/ ٣٢٣، ٣٢٤) ووافقه الذهبي، وزاد نسبته السيوطي إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ والبيهقي في "الأسماء والصفات" وابن عساكر في تاريخه.