من فقر وحاجة ونحو ذلك؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ أي: يدعون ويخشعون، ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم.
وتقدير الكلام: أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا، فما فعلوا شيئًا من الذي أراد الله [١] منهم، فقدب عليهم [٢] الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ أي: حولنا الحال من شدة إلى رخاء، ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية، ومن فقر إلى غنى، ليشكروا على ذلك فما فعلوا.
وقوله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي: كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. يقال: عفا الشيء إذا كثر. ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول تعالى: ابتليناهم [٣] بهذا وهذا؛ ليتضرعوا وينيبوا إلى الله، فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا، ولا انتهوا [٤] بهذا ولا بهذا، بل قالوا: قد مسنا من البأساء والضراء ثم بعده من الرخاء، مثل ما أصاب آباءنا في قديم الدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، ولم يتفطوا لأمر الله فيهم ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين، وهذا بخلاف حال المؤمنين، الذين يشكرون الله على السراء، ويصبرون على الضراء، كما ثبت في الصحيحين (١٣٤): " عجبًا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له". فالمؤمن من [٥] يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء، ولهذا جاء في الحديث (١٣٥): " لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيّا من ذنوبه، والمنافق مثله كمثل الحمار، لا يدري فيم ربطه
(١٣٤) - كذا عزاه للصحيحين وهو وهم، تنبه له المصنف نفسه عند [آية رقم ٥/ من سورة إبرهيم] وعزاه للصحيح فقط، وهو في صحيح مسلم، كتاب: الزهد والرقائق، ب: المؤمن أمره كله خير (٦٤) (٢٩٩٩) من حديث صهيب وكذا عزاه الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ١٠٩) إلى مسلم فحسب، وانظر [سورة يونس آية/١٢]. (١٣٥) - لم أهتد إليه بهذا اللفظ، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٨٧، ٤٥٠) والبخاري في "الأدب المفرد" (٤٩٤) والترمذي، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء (٢٤٠١) وغيرهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح" وصححه الحاكم (١/ ٣٤٦) (٤/ ٣١٤) على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وإسناده حسن فقط - انظر "الصحيحة" للألباني (٥/ ٢٢٨٠) - والجزء الأخير وقفت عليه موقوفًا من كلام سلمان الفارسي بإسناد صحيح أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٤٩٣) وهناد السري فى "الزهد" (١/ رقم ٤١٤) ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٠٦) - ومن طريق أبي نعيم المزي في "تهذيب الكمال" (١١/ ٩٨) - والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٩٩١٤، ٩٩١٥).