للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ابن واثلة، سمعت على بن أبي طالب يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيبًا أحمر [١] تخالطه مدرة حمراء، ذا أراك وسدر كثير، بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت، هل رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، واللَّه إنك لتنعته نعت رجل قد رآه. قال: لا، ولكني قد حدثت عنه. فقال الحضرمي: وما شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود .

رواه ابن جرير (١٢٢). وهذا فيه فائدة: أن مساكنهم كانت باليمن؛ وأن هودًا دفن هناك، وقد كان من أشرف قومه نسبًا؛ لأن الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم، وكانوا من أشد الأم تكذيبًا للحق، ولهذا دعاهم هود إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى طاعته وتقواه.

﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأ: هم الجمهور والسادة والقادة منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: في ضلالة حيث دعوتنا إلى ترك عبادة الأصنام، والإقبال على [٢] عبادة الله وحده، كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد، فقالوا [٣]: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ] [٤]﴾.

﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: لست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء، فهو رب كل شيء ومليكه ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل: البلاغة والنصح والأمانة.

﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ أي: لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولًا من أنفسكم؛ لينذركم أيام الله ولقاءه، بل احمدوا الله على ذاكم ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: واذكروا نعمة الله عليكم إذ جعلكم من ذرية نوح، الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته، لما خالفوه وكذبوه ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ أي: زاد طولكم على الناس ﴿بَسْطَةً﴾ أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم؛ كقوله في قصة طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ أي: نعمته [٥] ومنته عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.


(١٢٢) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٨٠٣) وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١٣٥/ ترجمة محمد ابن عبد الله بن أبي سعيد) وصرح عنده ابن إسحاق بالتحديث، لكن محمد بن عبد الله هذا لم يوثقه غير ابن حبان "الثقات" (٥/ ٣٧٦).