يهود ناسًا [١] كثيرة قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له [٢]: أشيع، فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص؛ اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدًا رسول [من عند][٣] الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإِنجيل. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيًّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا [ويُعطناه، ولو كان غنيًّا ما أعطانا الربا][٤]، فغضب أبو بكر ﵁ فضرب وجه فنحاص ضربًا شديدًا؛ وقال: والذي نفسي بيده، لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدوّ الله، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: يا محمد، أبصر ما صنع بي صاحبك، فقال، رسول الله ﷺ:"مما حملك على ما صنعت يا أبا بكر" فقال: يا رسول الله؛ إن عدوّ الله قد [٥] قال قولًا عظيمًا؛ يزعم [٦] أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت: جهه، فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله فيما قال فنحاص ردًّا عليه [٧] وتصديقًا لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية. رواه ابن أبي حاتم (٥٣٧).
وقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ تهديد ووعيد، ولهذا قرنه تعالى بقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، أي: هذا قولهم في الله؛ وهذه معاملتهم لرسل الله، وسيجزيهم الله على ذلك شر الجزاء؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ يقول تعالى [تكذيبًا لهؤلاء][٨] الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم أن لا يؤمنوا
(٥٣٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٥٨٩) والحديث في "السيرة" لابن هشام (٢/ ٥٩٢، ٥٩٣) وكذا أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٨٣٠٠) من طريق محمد بن إسحاق به، وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ١٨٦) إلى ابن المنذر. ومحمد بن أبي محمد وهو الأنصاري مولى زيد بن ثابت، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٣٩٢) وقال الذهبي في "الميزان": لا يُعْرف.