قال أَبو عبد الرحمن النسائي (١٦٤٩): أخبرنا محمد بن [عبد الله][١] بن عبد الرحيم، أخبرنا الفريابي، حدَّثنا سفيان، عن الأعمَش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا (*) لأنسبائهم من المشركين، فسألوا فرخص لهم، فنزلت هذه الآية ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
وكذا رواه أَبو حذيفة، وابن المبارك، وأَبو أحمد الزبيري، وأَبو داود الحفري [٢] عن سفيان - وهو الثَّوري - به.
وقال ابن أبي حاتم (١٦٥٠): أخبرنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن -يعني الدشتكي- حدثني أبي، عن أبيه، حدَّثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، عن النبي، ﷺ، أنَّه كان يأمر بأن لا يتصدق إلَّا على أهل الإِسلام، حتَّى نزلت هذه الآية ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين. وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ الآية، حديث أسماء بنت الصديق في ذلك.
وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ ونظائرها في القرآن كثيرة.
وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلَّا ابتغاء وجه الله.
وقال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله. وهذا معنى حسن، وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب ألِبَرٍّ أو فاجرٍ، أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده. ومستند هذا تمام الآية ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ والحديث المخرّج في الصحيحين (١٦٥١) من طريق أَبي الزناد، عن الأعرج، عن أَبي هريرة قال: قال
(١٦٤٩) - سنن النسائي الكبرى حديث (١١٠٥٢). (*) - رضخ له من ماله: أعطاه القليل منه. (١٦٥٠) - وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٨٦) لابن مردويه والضياء المقدسي. (١٦٥١) - صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب: إذا تصدق على غني وهو لا يعلم، حديث (١٤٢١) =