قلنا: أجابَ بعضُ المفسرينَ أن بعضَ الرواةِ تسامَحَ في قولهِ: فأنزل اللهُ الآيةَ، وإنَّما المرادُ قراءةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الآيةَ على عُمَرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- حين سأله, فظنَّ الراوي أنها نزَلَتْ حينئذ، وإنما استدلَّ بها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَتَلا على عُمَرَ ما قدْ أُنْزِلَ عليه، لا أَنَّها نزلتْ في هؤلاء (١).
وهذا جوابٌ حَسَنٌ، ويدلُّ عليهِ قولُه تعالى {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[التوبة: ١٩] , والظالمون يومئذٍ أهلُ مكة.
فإن قيل: يجوزُ الاستدلالُ على المؤمنينَ بما أُنزلَ على المشركين؟
قلنا: ليس ذلكَ ببعيدٍ؛ فقد قالَ عمرُ -رضيَ الله تعالى عنه- لو شِئْنا لاتَّخَذْنا سَلائِقَ (٢) وشوى (٣)، وتوضَعُ صَحْفَةٌ، وترفَعُ أُخرى، ولكِنّا سَمِعْنا قولَ الله تعالى:{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}(٤)[الأحقاف: ٢٠] ,
(١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٨/ ٩٢). (٢) كذا في "أ" و"ب": "السلائق" -بالسين- وهي ما سُلِق من البقول؛ قال الأزهري: معناه طُبخ بالماء من يقول الربيع، وأُكل في المجاعات. "اللسان" (مادة: سلق) (١٠/ ١٦٠). ووقع في "الزهد" لابن المبارك، و "طبقات ابن سعد": "الصلائق" -بالصاد- وفسرها الراوي بالخبز الرقاق. (٣) شوى: شَوَى اللحم شيئَّا فانشوى واشتوى. والاسم الشواء. "اللسان" (مادة: شوي) (١٤/ ٤٤٦). قلت: ومعنى الكلام: أي لو أردنا أن نتخذ من أصناف الطعام المطبوخ والمشوي لقدرنا على ذلك. (٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١/ ٢٠٤)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٢٧٩)، ولفظ ابن المبارك: قال عمر: إني والله! لقد أرى تعذيركم وكراهيتكم طعامي، وإني والله! لو شئْتُ لكنْتُ أطيبكم طعامًا وأرقكم عيشًا، أما والله! ما أجهل عن كراكر وأسنمة، وعن صلاء وعن صلائق وصناب قال جرير: =