النهار بكره وآصاله (١) بوردتيه، يطرب قبل الإنشاد، ويحرك حتى الجماد، وتخرس لديه أصواته المثاني والمثالث وما تجنح، وتهتز المغاني والأغاني وما يتزحزح، نقل مذاهب القدماء، كابن المهدي وإسحاق (٢)، وجدد طوالع تلك الأهلة التي أكلها المحاق، لا يمر به صوت مما ذكره أبو الفرج الأصفهاني إلا ويجيء به ويجيده، ويعيده ويزيده، وصنف كتابا يقال له أحسن ما صنف لجمع وشنف لسمع، وقد خطأ الفارابي (٣) في هذا العلم، وأنكر عليه أهل المعرفة ثم سلموا إليه أنه إنما قاله عن علم، وابن كرّ هذا من بيت امرأة تناقل سلفه في بغداد إرثها حتى ملكها التتار، فلزم أبوه مصر، فأجري عليه راتب عاد إلى ابنه هذا بعضه، وهو الآن في زاوية قرب المشهد الحسيني بالقاهرة المعزية [أقطعها](٤) من وقفه أو وقف أبيه، وله عز نفس، وشمم عفاف، ما اتخذ هذه الصناعة الطربية إلا ريحانا له لا استرزاقا به، وله بي صحبة أعرف حقها له، كان يتردد إليّ ويتودد ويتفقد ولا ينفقه، ولقد غنى فأضحك وغنى فأبكى، وغنى فأنام، فرأيت بعيني منه ما سمعته أذناي عن الفارابي، فصدق الخبر الخبر، وحقق العين الأثر، ورأيت منه واحدا، سبحان من وهبه ما لا هو في قدرة البشر.
(١) في الأصل: «بكرة وأصالة». [المراجع]. (٢) هما إبراهيم بن المهدي وإسحاق الموصلي وقد مرت ترجمتهما. (٣) الفارابي: محمد بن محمد بن طرخان أبو نصر الفارابي ويعرف بالمعلم الثاني، أكبر فلاسفة المسلمين، ولد في فاراب على نهر جيحون وانتقل إلى بغداد وألف فيها أكثر كتبه ورحل إلى مصر والشام وتوفي في دمشق، كان يحسن اليونانية وأكثر اللغات الشرقية، ويقال إن الآلة المعروفة بالقانون من وضعه، شرح مؤلفات أرسطو وكان زاهدا في أمور الدنيا يميل إلى الانفراد بنفسه، له نحو مئة كتاب منها آراء أهل المدينة الفاضلة، وإحصاء الإيقاعات في النغم، والموسيقا الكبير والمدخل إلى صناعة الموسيقا، وغيرها كثير، كانت وفاته سنة ٣٣٩ هـ. (وفيات الأعيان ٢/ ٧٦ طبقات الأطباء ٢/ ١٣٤ - ١٤٠ تاريخ حكماء الإسلام ص ٣٠ البداية والنهاية ١١/ ٢٢٤). (٤) في الأصل: (اطها) - قلت لعل الكلمة «أصلها من وقفه … ». [المراجع].