للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أبو سعيد والكمال لا يغني، وربما غنيا معا، وذكر أنه استفاد بأبي وبالأمراء والوزراء وأرباب الدولة وسائر الناس لأجله أموالا جمة جليلة، لا تكاد تحصر، وسأله السلطان أبو سعيد أن يعلمه الموسيقا، فعلمه قدر ما احتمله فهمه، ثم ازداد نهمته (١) من هذا العلم، وأكثر ملازمة الكمال حتى برع وصار غاية في ذلك، ورأسا من رؤوسه، وصار يصنع الأصوات ويعرضها على الكمال، فتارة يصوب رأيه، وتارة يصلح له الصوت ندر وأجاد، وزاد وأحسن، وكانت أكثر أصوات الكمال في الأشعار المنظومة باللغة الفارسية، وهكذا كانت غالب أصوات أبي سعيد، وهو الذي استنبط هذا الغناء الذي يغنى به اليوم، ويسمى (البيشرون) (٢) وهو أنغام تطول على مقدار بيت الشعر ويقبض على وسع عبارة فيسدّ بأنواع من الكلام الملفق الذي لا يحصر بوزن ولا قافية، قلت: ولقد حرصت على تخريجه أو مقابلته بتفاعيل يوازن بها فلم أستطع، وسألت عنه الإمام حجة العرب أبا عبد اللّه بن الصائغ الأموي المروي فقال لي: هذا لا يتخرج ولا يوزن إلا بالنغم مثل الموشحات إذا كانت غير شعرية (٣)، فإنها لا تنضبط ولا يعرف صحيحها من مكسورها إلا إذا غنيت، قلت:

وهذا الغناء يستلذ في المشارب وحانات [ص ٣٣٠] القصف (٤)، ولأهل مصر به ولوع وعليه وقوع، ولا يليق الغناء به في مجالس الملوك والكبراء، ولم يقع إليّ من أصواته في الشعر العربي إلا أربعة أصوات، فمنها في شعر التلعفري: [الكامل]


(١) الأولى أن يقال: «رزداد نهمه» أو ززدادت نهمته». [المراجع].
(٢) البيشرون أو البيشرو: ويسميه العرب المحدثون (بشرف) لفظ فارسي يعني المذهب الإمامي، ويطلق في الموسيقا الشرقية والعربية على مقدمة موسيقية من نغم الآلات، موزونة في طريقة إيقاعية تتصدر اللحن الغنائي من جنس نغمه وطريقته. (الموسوعة العربية الميسرة ١/ ٤٦٧).
(٣) الموشح الشعري هو الذي يبنى على وزن من أوزان العرب المعروفة مثل (جادك الغيث) وغير الشعري يكون على إيقاعات منظومة موسيقية لكنها ليست من الأوزان المعروفة مثل موشح «ضاحك عن جمان/ سافر عن بدر» للأعمى التطيلي. [المراجع].
(٤) في الأصل «القصب»، والصواب ما أثبت. [المراجع].

<<  <  ج: ص:  >  >>