والإلقاء من المغنّين، ثم لم يقنع حتى أتى بلاد فارس، وجنى من تلك المغارس، وأصبح لا يدع طرفا به إلا انسجم، ولا مختارا إلا مجموعا فيه عربا على عجم (١)، فلم يبق في الغناء نادّة (٢) حتى جازها ولا شاذة أعجزت [ص ٤] من قبله من أهل الطرب حتى شانها (٣) كأنّه لهذا خلق، وبه استحق التقدم، وإن سبق إلا أنّ داءه أزواه حتى كان بلقاء العيون وما رمق (٤).
قال أبو الفرج، قال إسحاق، كان يسكن المدينة مرة، ومكة مرة، فإذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر، يتعلم الضرب من عزة الميلاد (٥) ثم يرجع مكة، فيقيم بها ثلاثة أشهر، ثم صار بعد ذلك إلى فارس، فتعلم ألحان الفرس فأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم، فأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك
= العباسية، وأصيب بالجذام فلم يعاشر الخلفاء ولا خالط الناس، توفي نحو سنة ١٤٠ هـ. (الأغاني ١/ ٣٧٨ ط دار الكتب). (١) كذا في الأصل؛ ولعله: عرب على عجم [المراجع]. (٢) نادة: شاردة، يقال: ندت الفكرة عن ذهني أي غابت عن ذاكرتي. (٣) في المخطوط «شازها»؛ والمثبت قراءة التحقيق، وكأن الكلمة «حازها»؛ «والشاذة» في العبارة هي الغربية الصّعبة [المراجع]. (٤) يشير إلى ما أصاب ابن محرز من داء الجذام فصار يتجنب الناس ولا يراه أحد. (٥) عزة الميلاء: أقدم من غنّى غناء موقعا في الحجاز، كانت تضرب بالعيدان والمعازف وإقامتها بالمدينة، وهي مولاة للأنصار، وكانت وافرة السمن، جميلة الوجه، لقبت بالميلاء لتمايلها في مشيتها، سمعها معبد المغني وحسان بن ثابت الشاعر، وزارها النعمان بن بشير الانصاري في بيتها وسمع غناءها، كان يزورها الشعراء أمثال عمر بن أبي ربيعة وابن أبي عتيق فتغنيهم، أخذ عنها ابن سريح في حداثته، وهي مولاة للأنصار، وصفها طويس بقوله: هي سيدة من غنّى من النساء، مع جمال بارع وخلق كريم، وإسلام لا يشوبه دنس، تأمر بالخير وهي من أهله، وتنهى عن السوء وهي مجانبة له. وأخبارها كثيرة توفيت في نحوه ١١٥ هـ. (الأغاني ١/ ٣٧٨، ٣/ ١٣، ٦/ ٢٠٢، ١١/ ١٧، اعلام النساء ٢/ ١٠١٣، الدرّ المنثور ٣٤١ الأعلام ٤/ ٢٣٠).