وغالبُ ما مُيِّز به مضمونُ الجملة أن يكون محوَّلًا، وإنما حُوِّل؛ لقصد المبالغة، فذلك تَجَوُّزٌ فيه، فلو قُدِّم لكَثُر المجاز، ونظيرُه: منعُهم: دخلت الأمرَ؛ لئلا يجمعوا بين حذف "في" وبين استعمال "دَخَل" في غير حقيقته، ومنعُ أبي عَلِيٍّ (١): ضربت زيدًا يومَ الجمعة ويومَ الخميس عَمْرًا؛ لئلا يجتمع مجازُ حذف العامل مع تقديم المفعول غيرِ المصرَّح، ولذلك نظائرُ كثيرة.
وأيضًا فإنهم إذا أَبْهموا ثم بيَّنوا كان ذلك أَوْقَعَ في النفس، ولهذا ما فعلوا التحويلَ، وإلا فالأصلُ عدمُه، فلو قدَّموه فاتَتْ حكمةُ التحويل، فقد ظهر أن تقديم التمييز يمنع مجيء التمييز؛ لأنه يطعن في حكمته، فافْهَمْ ذلك.
ويدلُّك على إرادتهم الإبهامَ أوَّلًا والبيانَ آخِرًا، وأن ذلك مقصودٌ لهم: قولُهم: هو زيدٌ قائمٌ، ورُبَّه رجلًا أكرمته، ونِعْمَ الرجلُ زيدٌ، فقد بان فسادُ قياس التمييز على الحال في جواز التقدُّم؛ لأن الحال إنما أُتِي بها بعد انتهاء الجملة للبيان، من غير أن يريد المتكلم الإبهامَ أوَّلًا والتفسيرَ ثانيًا، فلا فرقَ بين أن يتقدَّم أو يتأخَّر، هذا مع ورود السماع بالتقديم.
وأما فساد قياس الحال على التمييز في المنع فواضحٌ بما ذكرنا.
واعلم أنه كثُر استدلالهم على جواز تقدُّم التمييز بقوله (٢):