وقيل: قالوا سلاماً أي: براءة منكم برئنا من خيركم وشركم لا خير بيننا ولا شر، وهذا قول سيبويه، والآية عنده منسوخة وليس في كتاب سيبويه ذكر الناسخ والمنسوخ إلا هذا، قال:"لأن الآية مكية ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلِّموا على المشركين ولكنه على قوله لا خير بيننا ولا شر"(١).
قال المبرد:" أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة لأنه لا معنى لقوله: "ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين"، وإنما كان ينبغي أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين ثم أُمروا بحربهم، وهذا تجني من المبرد كعادته معه في مواضع من الكتاب وإنما معنى كلام سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن سلموا على المشركين بل أمروا أن يتسلموا ويتبرؤوا، ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب والله أعلم، وسلَّمَ المبرد (٢): أن الآية منسوخة (٣).
{وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} تلك حالهم مع الناس وهذه حالهم في الخلوة، أي: يأتي عليهم الليل وهم في الصلاة ساجدون قائمون.
{سُجَّدًا} جمع ساجد، وقيام جمع قائم ويجوز أن يكون مصدراً، وقدم السجود وأخر القيام لروي الآية وليُعلَم أن القيام في الصلاة، والمعنى: يتركون النوم لعبادة الله.
(١) انظر: الكتاب لسيبويه (١/ ٣٢٥). (٢) في ب: "والله أعلم المبرد"، بغير "وسَلَّمَ". (٣) انظر: المقتضب للمبرد (٤/ ٧٩). وقد بين النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٧٠) أن كلام المبرد يدل على أن الآية عنده منسوخة، لأن معناها معنى الأمر، أي: إذا خاطبكم الجاهلون فقولوا سلاماً، فعلى هذا يكون النسخ فيها، ومعنى كلام سيبويه أنهم لم يؤمروا يومئذ أن يسلموا على المشركين، وإنما أمروا أن يتبرأوا منهم، ثم نسخ بالأمر بالحرب.