الاستحسان، وكان من قلوب الرعايا بمحل، ما ثوى في غيره ولا حلّ، فلما مات وَجَدَتْ لفقده، وحدث في البكاء عليه والوقوف على لحده، وخلف من خزائن الأموال المملوءة ما أن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، وكذلك وجد له من الجواري وحلى النساء ما لو كوشف به الليل لمحا آية المساء (١). ويحكى من حسن اهتمامه بعمارة الأرض وتغليقها ببذل البذار، وتنميقها بما لا يزال ولاة الأعمال منه على جانب الحذار، أنه استجلب اردبتين قمحًا غريب الزريعة أراد أن يجعلهما للاختبار الذريعة، فأخرهما حتى فرغ أوان الزرع، ولم يبق لمحراث في الأرض قَرْعُ، ثم بعث بالأردبتين أحدهما إلى الصعيد، والثاني إلى أسفل مصر، وكتب إلى والي كل عمل منهما بأن يبذر أردبّةً ويستكمل زرعه، ولا يؤخر منه حبه. فأجابه أحدهما بأنه قد فعل، وأجابه الآخر بأنه قد اجتهد على تحصيل أرض فارغة لبذارها فما حصل، فعرف اهتمام الأول بتغليق عمله وإهمال الثاني حتى وجد ذلك الأردب مكانًا من معطله، فأنعم على الأول وشكره، وقبض على الثاني وسمره. ثم لما مات وزر للأمر المأمون البطائحي (٢)، وأقامه، وفوض إليه الزعامة، وكان هو المتقلد بالتفويض، وبه بحر الأمر يزخر ويفيض، وهو يراجع في الأمر الأمر، ويرجع إلى ما يأمره به ويستأمر، والآمر يركب وينزل ويتصيّد ويتخلّى عن موضعه ويتفرد، وكان يتحدث في أمور ما يكون ويتجدّد من الحركات والسكون.
وحكى بعض مَنْ كان له به اجتماع أنه أراه كتابا فيه صور مصورة ومنيات مختلفة، وفيها صورته قد قتل وهو على فرس أشهب وألقى إلى جانب جسر ألهب (٣)، ثم قال لي: أتعرف هذه الصورة؟ فقلت: لا، فقال: بل تعرف هذه الصورة، وما أظنّه إلا وقد آن الوقت، فما مضت سنة حتى رأيت الأمر راكبًا بالجيزة على فرس أشهب مارًا مع الجسر كأنه ذلك المصوّر، ثم تفرد وانقطع عنه الموكب،
(١) انظر فيما نقل من أمواله إلى قصور الأمر: نهاية الأرب ٢٨/ ٢٨١ والمنتقى ص ٧٩ واتعاظ الحنفا ٣/. ٧٠ (٢) أبو عبد الله، محمد ابن الأمير ثقة الدولة أبي شجاع فاتك ابن الأمير منجد الدولة أبي الحسن مختار المستنصر، المعروف بالبطائحي، كان استاذ دار الأفضل، فوّض إليه الآمر أمور دولته وقيادة الجيش، سنة ٥١٥ هـ، ثم اعتقله سنة ٥١٩ هـ مع خمسة من إخوته وثلاثين من خواصه، ولم يزل معتقلًا إلى سنة ٥٢٢ هـ فصلبه مع اخوته. انظر: وفيات الأعيان ٥/ ٢٩٩ والوافي ٤/ ٣١٣ والمنتقى من أخبار مصر ص ٨٧ ونهاية الأرب ٢٨/ ٢٨٨، وابن سعيد ص ٨٣ واتعاظ الحنفا ٣/ ٧٥ وخطط المقريزي ٢/ ٢٢٥. (٣) الألهب: الأغبر المشرب بسواد.