وصلنا الباب، تلقانا الشرفاء من ولد الكاظم فأمرونا بنزع الأخفاف؛ فلما دخلنا راينا من الجمع المحفل، وأراني الذهب والفضة والستور والشموع والطيب ماملك أبصارنا.
ولما حللنا بالروضة التي فيها قبر الكاظم رأينا قبرًا آخر ذكروا أنه قبر حفيده محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم.
وفي ذلك المشهد ما يطول ذكره، ويهول، أمره، فقام داعي القوم فاستقبل القبر، وكان من دعائه: «اللهم بحق ذرية نبيك الذين هم سفن النجاة وأبواب الجنة وغمائم الرحمة، ومعادن البركة، وأعلام الأرض، ومصابيح الإيمان» ومر على هذا النوع بما أبكى العيون، واقلق القلوب.
ثم ذكر ما جرى عليهم في الآفاق من المحن، وأنَّ ذلك يكون وسيلة لهم وذخرًا إلى يوم القيامة حيث شفاعة جدهم ﷺ قائمة، والأنفس على حوض أبيه حائمة.
قال: ثم سألتُ أحد عقلاء الشرفاء الذين بذلك المكان وقد توسمت فيه الرجاحة والخير: كيف يحتمل هذا بنو العباس؟ فقال: منعوه بجهدهم ثم لما رأوا غلبة القلوب على ذلك، وإنكار العالم لانكاره، أعانوا عليه بالأموال والسلطان ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
وقال: عنه إنه شهد به يوم عيد الغدير وذكر ما يهول من إحتفالهم به وقيام خطيبهم فيه، وذكر ما كان يوم الغدير، وما قال رسول الله ﷺ فيه، ثم لا تحلق جماعاتهم لاستماع مداح الشعراء لأهل البيت.
قال: ولم أسمع فيه سبًا للصحابة ولا مثل سوء.
قلت: وللكاظم كلام جزل، وشعر فحل، والطف ماسمع من شعره قوله: [من الوافر] و
كم أرسلت نحوك مِنْ رسولٍ … وما أدى الهوى مثلي رسول
يقولُ بجهده في كلِّ فنّ … ولكن ليس يدري ما يقولُ!
وليس بصدره قلبي فيلقي … إليك هوى أنا منه قتيل
ومن كلامه قوله: من لم يعرف الزيادة، فهو في النقصان، ومن كان في النقصان، فالموت خير له من الحياة.
وكان الرشيد يحبه ويهابه، وكان الناس يقولون له فيه، فيقول: ليس يأتيني منه شر إنه متورع عن سفك الدماء. قال له: ماتغشنانا؟ فقال له: إن غشيتك ذللت لطلب الدنيا، وإن غشيتني أنت وصلت رحمًا طالما قطعت. وكان الرشيد يزوره ويتفقده.
ولد بالأبواء سابع صفر، وقيل: رابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة.