للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إلى جميع هذا؛ وفي آخر الإنجيل أنه قال لهم: أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم إلهي وإلهكم.

قال (١): فما ترى للمسيح من النبوة الله تعالى إلا ما لسائر الناس ولا فرق، فمن أين خصوه بأنه ابن الله دون سائرهم كلهم. إلا أن كذَّبوه في هذا القول فليختاروا أحد الأمرين ولا بد، ثم من أين خصوا كلّ من سوى المسيح بأنَّ الله تعالى إلهه، ولم يقولوا: إنَّ الله إله المسيح كما قال هو بلسانه فلا بد ضرورة من الإقرار بأن الله هو إله المسيح، وإنَّ سائر الناس أبناء الله تعالى، أو يكذِّبوا المسيح في نصف كلامهم وحسبهم بهذا فسادًا وضلالًا.

ثم قال (٢): وكثيرًا ما يحكون في جميع الأناجيل في غير ما وضع أنه إذا أخبر المسيح عن نفسه، سمى نفسه ابن الإنسان؛ ومن المحال والحمق أن يكون إله ابن إنسان، أو يكون ابن إله وابن إنسان معًا، وأن يلد إنسان إلهًا.

ثم قال (٣): وفي إنجيل يوحنا أنَّ المسيح قال لهم: أنا رجل أديت إليكم الحق الذي سمعته عن الله.

فهذا إقرار بأنه رجل مؤدّ ما سمع فقط، مع استشهادهم في إنجيل متى بقول أشعيا النبي في المسيح: إنَّ الله تعالى قال فيه: «هذا غلامي المصطفى وحبيبي الذي تخيرته» فصح أنه نبي من الأنبياء وعبد الله.

قال (٤): واعلموا أنهم بأجمعهم متفقون على أن يصوّروا في كنائسهم صورًا ثم يسجدون لها سجود عباد، ويصومون لها تدينًا، وهذا هو عبادة الأوثان بلا شك، وهم ينكرون عبادة الأوثان، ثم يعبدونها علانية وحجتهم في هذا حجة عبّاد الأوثان؛ وهي أنهم يتقربون بهذا إلى أصحاب تلك الصور لا إلى الصور بأعيانها.

واعلموا أنهم لم يزالوا بعد المسيح بأزيد من مائة عام يصومون في شهر كانون الآخر إثر عيد الحجيج، أربعين يومًا متصلة ثم يفطرون ثم يعيدون الفصح مع اليهود واقتداء بالمسيح إلى أن أبطل ذلك عليهم خمسة من البطاركة؛ أجمعوا ونقلوا صيامهم وفصحهم إلى ما هم عليه اليوم.

فكيف ترون هذا الدين ولعب أهله به وحكمهم بأن ما كان عليه المسيح والحواريون ضلال ولا يختلفون في أن شرائعهم إنما هي من عمل أساقفهم وملوكهم علانية، فكيف يلقى الله تعالى على دين بغير المتدن به بلسانه، ويعلم بقلبه أنه ليس من


(١) الفصل ١/ ٢٧٣.
(٢) الفصل ١/ ٢٧٣.
(٣) الفصل ١/ ٣٢٠.
(٤) الفصل ١/ ٣٢٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>