قال (١): وأما شغب من شغب منهم بأننا نؤمن بموسى وهم لا يؤمنون بمحمد، ﷺ فهو لا يخلو من أن يكونوا صدّقوا نبوة موسى من أجل تصديقنا نحن، ولولا ذلك لم يصدقوا به، أو يكونوا إنما صدّقوا به لما ظهر من الآيات فقط.
فقد كان إنما صدّقوا به من أجل تصديقنا به وإلّا فقد تناقضوا، وإن كان إنما صدّقوا به لما ظهر من الآيات فلا معنى لتصديق من صدقه، ولا لتكذيب من كذّبه، والحق حق صدقه الناس أو كذبوه، والباطل باطل صدقه الناس أو كذبوه.
قال (٢): وأيضًا فإنّا آمنا بنبوة موسى الذي أنذر بنبوة محمد ﷺ وبالتوراة التي فيها الإنذار به، وباسمه ونسبه وصفة أصحابه لا بنبوة من لم ينذر بالنبوة المحمدية.
قال (٣): فإن قال قائل: إنّ موسى ﵇ قال لهم في التوراة: «لا تقبلوا من نبيّ أتاكم بغير هذه الشريعة».
قلنا: لا سبيل أن يقول هذا بوجوه من الوجوه؛ لأنّه لو قال ذلك، لكان مبطلًا لنبوة نفسه، وذلك أنّه لو قال: لا تصدقوا من دعاكم إلى غير شريعتي، فإن جاء بآيات فإنه يلزمه إذا كانت الآيات لا توجب تصديق غيره إذا أتى بها في شيء دعا إليه فهي موجبة تصديق موسى ﵇ فيما أتى به إذ لا فرق بين معجزاته ومعجزات غيره إذ بالآيات صحت الشرائع ولم تصح الآيات بالشرائع.
قال (٤): وهذا الكلام المنسوب إلى موسى ﵇ كذب موضوع ليس في التوراة شيء منه، وإنّما:«فيها من أتاكم يدعي نبوة، وهو كاذب، فلا تصدقوه»؟ فإن قلتم من أين نعلم كذبه من صدقه؟، فانظروا فإذا قال عن الله شيئًا ولم يكن كما قال فهو كاذب. قال: وهذا نص التوراة.
قال (٥): وقد وجدنا صحة كلّ ما أخبر به النبي ﷺ عن غلبة الروم على كسرى وإنذاره بقتل الكذاب العنسي، ويوم ذي قار وبخلع كسرى وبغير ذلك.
قال (٦): فإن قالوا إنّ في التوراة؛ أن هذه الشريعة لازمة لكم في الأبد، قلنا: هذا محال في التأويل؛ لأنّه كذلك أيضًا فيها إنّ هذه البلاد يسكنونها أبدًا وقد خرجوا عنها.
قال (٧): فإن قالوا: فقد قال نبيكم: «لا نبي بعدي»، قيل لهم: ليس هذا الكلام
(١) الفصل ١/ ١٢٢. (٢) الفصل ١/ ١٢٢. (٣) الفصل ١/ ١٢٨. (٤) الفصل ١/ ١٢٩. (٥) الفصل ١/ ١٢٩. (٦) الفصل ١/ ١٢٩. (٧) الفصل ١/ ١٢٩.