للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال أبو الصفاء (١): وكنت يومًا أنا وهو عند ابن سيد الناس فقال: قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: عمل ابن الخطيب أصولًا في الدين الأصول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٢) إلى آخرها، فنفر الشيخ ركن الدين وقال: قل له: يا عُرَّة، عمل الناس وصنعوا، وما أفكروا فيك، ونهض قائمًا، وولى مغضبًا.

قال: وأخبرني الشيخ فتح الدين قال: جاء إليه إنسان يصحح عليه في أمالي القالي، فأخذ الشيخ ركن الدين يسابقه في ألفاظ الكتاب، فبهت ذلك الرجل فقال: لي نحو عشرين سنة ما كررت عليها، وكان إذا أنشده أحد شيئًا في أي معنى أنشد فيه جملة للمتقدمين والمتأخرين كأنه كان يكرر عليه تلك الليلة.

وتولى نيابة الحكم للقاضي المالكي بالقاهرة مدة، ثم تركها تدينًا منه، وقال: يتعذر فيها براءة الذمة، وكان سيرته فيها حسنة مرضية، وكان يدرس في المدرسة المنكتمرية بالقاهرة، ويدرس الطب بالبيمارستان المنصوري، وينام أول الليل، ثم يستفيق قد أخذ راحة، وقد أخذ كتاب «الشفاء» لابن سيناء ينظر فيه لا يكاد يخل بذلك.

قال الشيخ فتح الدين: قلت له يومًا: يا شيخ ركن الدين إلى متى تنظر في هذا الكتاب؟ فقال: إنما أريد أهتدي. وكان فيه سامة وملل حتى في لعب الشطرنج، يكون في وسط الدست، وقد نفضه وقطع لذة صاحبه، ويقول: سئمت، سئمت، وكذلك في بعض الأوقات في بحث وقد حرَّر لك المسألة، وكادت تنضج، فيترك الكلام ويمضي. وكان حسن التودد يتودد إلى الناس، ويهنئهم بالشهور والمواسم من غير حاجة إلى أحد؛ لأنه كان معه مال له صورة ما يقارب الخمسين ألف درهم، وكان يتصدق سرًا على أناس مخصوصين، ولثغته بالراء قبيحة يجعلها همزة، وكان إذا رأى أحدًا يضرب كلبًا أو يؤذيه يخاصمه وينهره، ويقول له: لم تفعل هذا؟ أما هو شريكك في الحيوانية. وكان خطه على وضع المغاربة وليس بحسن. وسمع بدمشق سنة إحدى وتسعين وستمائة على المسند تقي الدين بن الواسطي، واستجزته سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بالقاهرة باستدعاء فيه نثر ونظم فأجاب وأجاز وأجاد نظمًا ونثرًا.

أنشدني لنفسه إجازة: [من الطويل]

جَوَىً يَتَلَظَّى فِي الفُؤادِ اسْتِعَارُهُ … وَدَمْعُ هَتُونُ لا يُكَفُّ انْهِمَارُه

يحاول هَذَا بَرْدَ ذَاكَ بِصَوبِهِ … وَلَيْسَ بِمَاءِ العَينِ تُطْفَأُ نَارُه


(١) الوافي بالوفيات ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٢) سورة الإخلاص: الآية ١.

<<  <  ج: ص:  >  >>