ولد بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم مع والده وأهله دمشق، وهو صغير، فسمع ابن عبد الدائم وطبقته، ثم طلب بنفسه قراءة وسماعًا من خلق كثير، وقرأ بنفسه الكتب، وكتب الطباق والإثبات، ولازم السماع مدة سنتين، واشتغل بالعلوم، وكان من أذكى الناس كثير الحفظ، قليل النسيان؛ قلما حفظ شيئًا فنسيه.
وكان إمامًا في التفسير وعلوم القرآن، عارفًا بالفقه، واختلاف الفقهاء، والأصلين، والنحو، وما يتعلق به، واللغة، والمنطق، وعلم الهيأة، والجبر، والمقابلة، وعلم الحساب، وعلم أهل الكتابين، وأهل البدع، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية.
وما تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظنّ أنَّ ذلك الفن فنه، وكان حفظه للحديث مميّزًا بين صحيحه وسقيمه، عارفًا برجاله متضلّعًا من ذلك، وله تصانيف كثيرة، وتعاليق مفيدة وفتاوى مشبعة في الفروع والأصول، كمل منها جملة في الفقه والحديث، وردّ البدع بالكتاب والسنة، مثل كتاب «الصارم المسلول على متنقص الرسول ﷺ»، وكتاب «تبطيل التحليل»، وكتاب «اقتضاء الصراط المستقيم»، وكتاب «تأسيس التقديس» في عشرين مجلدًا، وكتاب «الردّ على طوائف الشيعة» أربع مجلدات، وكتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وكتاب «السياسة الشرعية»، وكتاب «التصوف»، وكتاب «الكلم الطيب»، وكتاب «المناسك في الحج».
وكان من أعرف الناس بالتاريخ. وكثير من مصنّفاته مسوّدة ما بيضت. وتوفي والده، وهو شاب، فولي مشيخة الحديث بدار الحديث السكرية، وحضر عنده جماعة من الأعيان، فشكروا علمه، وأثنوا عليه وعلى فضائله وعلومه، حتى قال الشيخ إبراهيم الرقي: الشيخ تقي الدين يؤخذ عنه، ويقلّد في العلوم، فإن طال عمره، ملأ الأرض علمًا، وهو على الحق، ولا بدّ ما يعاوده الناس؛ فإنه وارث علم النبوة.
وقال ابن الزملكاني: لقد أعطي ابن تيمية اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة، والترتيب والتقسيم والتبيين، وقد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد.
ثم كتب على بعض تصانيف ابن تيمية من نظمه هذه الأبيات:[من الكامل]