محبس القلعة بدمشق، وفي جميعها يودع أخبية السجون، ويلدغ بزبانى المنون، وهو على علم يُسطّر صحفه، ويدخر تحفه، وما بينه وبين الشيء إلا أن يصنفه، ويُقَرِّط به، ولو سَمْعَ امرئ واحد، ويُشَنِّفه حتى تستهدي أطراف البلاد طرفه، وتستطلع بنايا الأقاليم شرفه، إلى أن خطفته آخر مرة من سجنه عقاب المنايا، وجذبتها إلى مهواتها قرارة الرزايا.
وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم، وطبع على قلبه منه طابع الألم؛ فكان مبدأ مرضه، ومنشأ عرضه، حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار المنابر، وحل ساحة تربه وما يُحاذر، وأخذ راحة قلبه من اللائم والعاذذر، فمات لا بل حيي، وعُرف قدره أنَّ مثله ما رئي. وكان يوم دفنه يومًا مشهودًا ضاقت به البلد وظواهرها، وتُذكِّرَتْ به أوائل الرزايا وأواخرها، ولم يكن أعظم منها منذ مئين سنين. جنازة رفعت على الرقاب، ووطئت في زحامها الأعقاب، وسار مرفوعًا على الرؤوس، متبوعًا بالنفوس، تحدوه العبرات، وتتبعه الزفرات، وتقول له الأمم: لا فقدت من غائب، ولأقلامه النافقة لا أبعدكن الله من شجرات، وكان في مدد ما يؤخذ عليه في مقاله، وينبذ في حفرة اعتقاله لا تبرد له غلة بالجمع بينه وبين خصمائه بالمناظرة، والبحث حيث العيون ناظرة، بل يبدر حاكم فيحكم باعتقاله، أو يمنعه من الفتوى، أو بأشياء من نوع هذه البلوى لا بعد إقامة بينة، ولا تقدم دعوة، ولا ظهور حجّة بالدليل، ولا وضوح محجّة للتأميل. وكان يجد لهذا ما لا يزاح فيه ضرر شكوى، ولا يُطفأ ضرم عدوى:[من الطويل]
كل هذا لتبريزه في الفضل حيث قصرت النظراء، وتجليه كالمصباح إذ أظلمت الآراء، وقيامه في دفع حجة التتار، واقتحامه وسيوفهم تتدفق لجة البدار، حتى جلس إلى السلطان محمود غازان حيث تجمّ الأسد في آجامها، وتسقط القلوب في دواخل أجسامها، وتجد النار فتورًا في ضرمها، والسيوف فرقًا في قربها، خوفًا من ذلك السبع المغتال، والنمرود المختال والأجل الذي لا يُدفع بحيلة محتال، فجلس إليه، وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره، وطلب منه الدعاء، فرفع يديه ودعا دعاء مُنصف أكثره عليه، وغازان يؤمن على دعائه، وهو مقبل إليه. ثم كان على هذه المواجهة القبيحة، والمشاتمة الصريحة أعظم في صدر غازان والمغل من كل من طلع معه إليهم، وهم سلف العلماء في ذلك الصدر، وأهل الاستحقاق لرفعة القدر. هذا مع ما له من جهاد في الله لم يفزعه فيه طلل الوشيج، ولم يجزعه فيه ارتفاع النشيج. مواقف