وأدير زمانًا العمل عليها. وكان لَقِنًا بالحديث وأجوبته، ويفاضل ما بين رجاله وأسولته. أذهب في هذا صدر شبيبته، ولقي الخصم لا يبالي بصدم كتيبته، ووطئ حجج أهل المنازعة بكلكله، ورمى شمس أرباب المقارعة بأفكله، وكان لا يعاب بترخيص في دين، ولا تنقيص إلا لمعتدين، لكنه كان يسرّ على ابن عبد السلام دقائق الضغناء، ويشحن له باطنه بحقائق الشحناء، ويُعين عليه غير أهل مذهبه، ولا يخليه من حريق لهبه، ويُغري به الملك الأشرف شاه أرمن موسى على ألسنة حاشيته، ويسري إليه المكائد في ليل ناشئته، ويسلّط عليه قوارص الذئاب، ويرمي على جسمه قوارض الذباب، إلى أن امتلأ صدر الملك الأشرف عليه حنقًا، وابتدأ لا يبل عليه لغليله حرقًا، لمكانة كانت لابن الصلاح ولأهل عصبته من خاطره، ولانحراف منه على ابن عبد السلام كان يراه به قذى ناظره، إلى أن كان ما هو معروف مما أرج به ذكر ابن عبد السلام، وعرج إلى حيث ينجلي عن الصبح الظلام. والسكوت أولى من نبش ما كان كامنًا بين أئمة الإسلام.
وكان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث، ونقل اللغة. وكان له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاويه مسدّدة.
قرأ الفقه على والده وكان من جلة المشايخ الأكراد المشار إليهم، ثم نقله والده إلى الموصل فاشتغل بها مدّة، ثم سافر بها إلى خراسان، وأقام بها مدة، وحصل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام، وتولى تدريس المدرسة الصلاحية ببيت المقدس، وأقام مدة وأشغل الناس وانتفعوا به.
ثم عاد إلى دمشق فولي تدريس الرواحية، ومشيخة دار الحديث الأشرفية، وتدريس الشامية التي داخل دمشق، وقام بالوظائف الثلاثة من غير إخلال بشيء إلا لعذر شرعي.
وكان من العلم والدين على قدم حسنة، وله مصنفات مفيدة وإشكالات على الوسيط، وجمعت فتاويه في مجلد، ولم يزل أمره جاريًا على سداد، وصلاح حال واجتهاد في الاشتغال والنفع إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت الصبح، وصلي عليه بعد
= الحديث بالظاهرية ٦٥، وفهرس الفقه الشافعي بالظاهرية ١٦٣، وفهرس مخطوطات التاريخ بالظاهرية ٢٤٩ - ٢٥١، ومعجم طبقات الحفاظ والمفسّرين ١٢٧ رقم ١١٠٧. وانظر مقدمة كتاب «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح بتحقيق الدكتور محيي هلال السرحان. ومقدمة كتاب طبقات الفقهاء الشافعية له، بتحقيق محيي الدين علي نجيب - طبعة دار البشائر الإسلامية، بيروت ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٢ م، تاريخ الإسلام (السنوات ٦٤١ - ٦٥٠ هـ) ص ١٨٥ رقم ٢١٤.