على أن المطنب فيه مقصر، والموفي متعذر، وهيهات أن تُبلغ السماء، أو تُحصى الأسماء، أو توفي حق شكرها النعماء.
ولد بمدينة لوهور من بلاد الهند في عاشر صفر سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ونشأ بغزنة، ودخل بغداد سنة خمس عشرة وستمائة، وسمع بعدة بلاد.
قال عبد المؤمن الدمياطي: كان شيخًا صالحًا صدوقًا، صموتًا عن فضول الكلام، ملازمًا للصوم، إمامًا في الحديث واللغة والفقه.
وقال ابن الشعار في عقود الجمان (١): كان فاضلًا في النحو والعربية، إمامًا في اللغة. وقدم العراق، وأقام ببغداد مديدة، وتأمر هناك، ثم حجّ، ودخل اليمن، ونفق له بها سوق، ثم قدم العراق، وأقام ببغداد، وكان عنده خبرة بلعب الرمح، والنضال بالسهام والنبل والخزندارات وركوب الخيل، والتصيد بالكلاب، وجميع الآداب الملوكية. وأثرى، وكثر ماله، ونفذ إلى الخليفة يشعره أنه قد حوى من الذهب العين سبعين ألف دينار، ومثل ذلك أثاث، وقماش، وكتب وغير ذلك من آلات السلاح. وله من مصنفات الحديث والفقه واللغة والنحو والتصريف بضع وعشرون مصنفًا؛ منها «مشارق الأنوار في الجمع بين الصحيحين»، «وشرح البخاري»، وكتاب في «علوم الحديث»، و «وكف السحابة في وفيات الصحابة»، وكتاب «مجمع البحرين» في اللغة اثنا عشر مجلدًا، «والعباب الزاخر واللباب الفاخر»، في اللغة أيضًا عشرون مجلدًا، وصنف في «مناسك الحج» ختمه بأبيات وهي: [من البسيط]
شَوْقِي إِلَى الكَعْبَةِ الغَرَّاءِ قَدْ زَادَا … فَاسْتَحْمِلِ القُلُصَ الوَفَّادَةِ الزَّادَا
أَذَاقَكَ الحَنْظَلَ العَامِيّ مُنْتَجِعًا … وَغَيْرُكَ انْتَجَعَ السَّعْدَانَ وَالرَّادَا
أَسَرْتَ سَرْحَكَ حَتَّى أَضَ عَنْ كَثَبٍ … نِيَاقُهَا رَازِحًا وَالصَّعْبُ مُنْقَادَا
فَاقْطَعْ عَلائِقَ مَا تَرْجُوهُ عَنْ عُرْضٍ … وَاسْتَوْدِعِ اللَّهَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادَا
ومما أورد له ابن الشعار أيضًا: [من الوافر]
أَطَرْفَ العَيْنِ مَا لَكَ لَاتَنَامُ … عَسَى طَيْفٌ يُؤَرِّقُهُ حِمَامُ!
فَيَنْقَعَ غُلَّةٌ ويُثِيْبَ أَجْرًا … وَيَشْفِي مَنْ أَضَرَّ بِهِ السَّقَامُ
تَقَضَّتْ بِالمُنَى أَيَّامُ عَمْرِي … وَأَخْلَقَ جِدَّتِيْ شَهْرٌ وَعَامُ
وَلِي أَرَبِّ لَوَ انَّ الدَّهْرَ يَوْمًا … يُقَرِّبُهُ ويلبسني الحِمَامُ
(١) لم ترد في الأجزاء المطبوعة من قلائد الجمان (عقود الجمان) ولعله في الأجزاء المفقودة منه.