للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العظماء، إلا ما سبق السيف فيه العذل، وقبل سرعان الجيش من سومهم السائب ما بذل، حتى ألجمهم بفتياه، وألجأهم إلى الوقوف دون منتهاه، وكان ربّ جهاد في الثغر، وسداد للثغر، ينام والعدو الأزرق من البحر ينظر شزرا، وينوي للرقاب الممتدة جزرا. أقام ببيروت، وكتب في عددها، وحسب زيادة في عمدها، وكان محط الرحلة، ومحل الفضل الذي لا يجنى مثل مجاجة النحلة، علمًا جمًا ما نقص، وفضلًا مقبلًا ما نكص، ورسائل هي قطع الروض المنوّر، وصفو الزلال المتحدّر، وعدد النجوم إلا أنه يضعها غير متكثر، وبفرعها الشامخ غير متكبر، ولجلالة مكانه في العلم، لم أذكره إلا لحلة فضله طرازا، ولجملة كماله تمامًا لا إعوازا. كل هذا إلى دين لا يجاذبه فيه منازع، وتقى كمن عساه يزع إن لم يكن منه للأوزاعي وازع.

ولد ببعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة، وقيل: سنة ثلاث وتسعين. ونشأ يتيمًا بالكرك بالبقاع، ثم نقلته أمه إلى بيروت.

وكان فوق الربعة، خفيف اللحية، به سمرة، وكان يخضب بالحناء، ولم يكن بالشام أعلم منه. قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة.

روي أن سفيان الثوري بلغه مقدم الأوزاعي، فخرج حتى لقيه بذي طُوى، فحل سفيان رأس بعيره عن القطار ووضعه على رقبته، فكان إذا مر بجماعة، قال: الطريق للشيخ.

وقال إسماعيل بن عياش: سمعتهم يقولون - سنة أربعين ومائة: الأوزاعي اليوم عالم الأمة.

وقال أبو إسحاق الفزاري، لو خُيِّرتُ لهذه الأمة، لاخترت الأوزاعي - يعني في الخلافة -.

وقال بشر بن المنذر: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع.

وقال أبو مسهر: كان الأوزاعي يُحيي الليل صلاة، وقرآنًا، وبكاء.

وقال الأوزاعي: رأيتُ كأنَّ مَلَكَين عرجا بي إلى الله، فأوقعاني بين يديه. فقال: أنت عبدي عبد الرحمن الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؟، قلت: بعزتك ربي، فرداني إلى الأرض.

وقال أبو الوليد بن مزيد تعجز الملوك أن تؤدّب أولادها أدبه في نفسه. ما سمعت منه كلمة إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه، ولا رأيته ضاحكًا بقهقهة، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول: تُرى في المجلس، قلب: لم يبك.

وقال أبو زرعة الدمشقي: كانت صنعته الكتابة والترسل ورسائله تؤثر، فمما يؤثر من كلامه: عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال،

<<  <  ج: ص:  >  >>