للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد وردت الرواية عنه في حروف القرآن وسمع خالته أم المؤمنين عائشة، وروى عنه خلق. وكان عالمًا صالحًا، وأصابته الآكلة في رجله - وهو بالشام عند الوليد بن عبد الملك - فقطعت رجله في مجلس الوليد، والوليد مشغول عنه بمن يحدثه، فلم يتحرك، ولم يشعر الوليد أنها قطعت، حتى كويت، فوجد رائحة الكي.

كذا قال ابن قتيبة، ولم يترك ورده تلك الليلة. ويقال: إنه مات ولده محمد في تلك السفرة؛ فلما عاد إلى المدينة، قال: «لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا»، وعاش بعد قطع رجله ثمان سنين.

وذكر المبرد في كتاب التعازي: أنّ عروة قدم على الوليد بن عبد الملك، ومعه ولده محمد بن عروة، فدخل محمد دار الدواب، فضربته دابة، فخر ميتًا، ووقعت في رجل عروة الآكلة، ولم يدع تلك الليلة، فقال له الوليد: اقطعها، قال: لا، فترقت إلى ساقه، فقال له الوليد: اقطعها وإلا أفسدت عليك جسدك، فقطعها بالمنشار، وهو شيخ كبير لم يمسكه أحد، وقال: «لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا».

وقدم على الوليد بن عبد الملك قوم من بني عبس تلك السنة فيهم رجل ضرير، فسأله الوليد عن عينه، فقال: يا أمير المؤمنين بت ليلةً في بطن واد، ولا أعلم عبسيًا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد غير بعير وصبي مولود. وكان البعير صعبًا، فند، فوضعت الصبي، واتبعتُ البعير، ولم أجاوز إلا قليلًا حتى سمعت صيحة ابني ورأسه في فم الذئب، وهو يأكله، ولحقت البعير لأحبسه، فنفحني برجله على وجهي، فحطمه، وذهبت عيناي، وأصبحت لا مال لي، ولا أهل، ولا ولد، ولا بصر، فقال الوليد: والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أرب في السعي، وقد تقدمك عضو من أعضائك، وابن من أبنائك إلى الجنة، والكلّ تبع للبعض إن شاء الله تعالى، وقد أبقى الله لنا منك ما كنا إليه فقراء، وعنه غير أغنياء من علمك ورأيك، نفعك الله وإيانا به، والله ولي ثوابك، والضمين لحسابك.

ولما قتل عبد الله بن الزبير، قدم أخوه عروة على عبد الملك بن مروان، فقال له يومًا: أن تعطيني سيف أخي عبد الله، فقال: هو بين السيوف، ولا أميزه من بينها، فقال عروة: إذا حضرت السيوف ميزته أنا، فأمر عبد الملك بإحضارها؛ فلما حضرت أخذ منها سيفًا مُفَلّل الحدّ، فقال: هذا سيف أخي، فقال عبد الملك: كنت تعرفه قبل الآن؟ فقال: لا، فقال: كيف عرفته؟، فقال: يقول النابغة الذبياني: [من الطويل]

وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ

<<  <  ج: ص:  >  >>