إلا مساحله، وبر فسيح لا يُسلك إلا مساهله. وربّ فضل لا تُعدّ فواضله، وفعل يرضيك ده، ويلهيك باطله. لا يسأم معه في مراح، ولا يُسأم له حق يحبّبه مزاح، أرضى مثل عمر بن الخطاب ﵁ قضاؤه، ومات على الرضا عنه. وحسبك من مثل ذلك الشديد في دين الله إرضاؤه.
كان من كبار التابعين، وأدرك الجاهلية واستقضاه عمر بن الخطاب في الكوفة، فأقام بها قاضيًا خمسًا وستين سنة، لم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين. امتنع من القضاء فيها في فتنة ابن الزبير، واستعفى الحجاج بن يوسف من القضاء فأعفاه، ولم يقض بين اثنين حتى مات، وكان أعلم الناس بالقضاء، ذا ذكاء، وفطنة، ومعرفة، وعقل، وإصابة.
قال ابن عبد البر: كان شاعرًا محسنًا وهو أحد السادات الطلس، وهم أربعة:
عبد الله بن الزبير، وقيس بن سعد بن عبادة، والأحنف بن قيس الذي يضرب به المثل في الحلم، والقاضي شريح المذكور، والأطلس الذي لا شعر في وجهه.
وكان مزاحًا. دخل عليه عدي بن أوطاة، فقال له: أين أنت أصلحك الله؟! قال: بينك وبين الحائط. قال: اسمع مني. قال: قل أسمع. قال: إني رجل من أهل الشام. قال: مكان سحيق. قال: وتزوجت عندكم. قال: بالرفاء والبنين. قال: وأردت أن أرحلها. قال: الرجل أحق بأهله. قال: وشرطت لها دارها. قال: الشرط لها، قال: فاحكم الآن بيننا، قال: قد فعلت. قال: فعلى من حكمت؟ قال: على ابن أمك قال: بشهادة من؟، قال: بشهادة ابن أخت خالتك.
وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ دخل مع خصم ذمي على القاضي شريح، فقام له، فقال: هذا أول جورك، ثم أسند ظهره إلى الجدار، فقال: أما إنَّ خصمي لو كان مسلمًا لجلست بجنبه.
وتزوج شريح امرأة من بني تميم تسمّى زينب، فنقم عليها شيئًا، فضربها، ثم ندم وقال:[من الطويل]