للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الجاحظ: (١) لولا الذباب يأكل البق ويطلبه في زوايا الدار ما كان لأهلها فيها قرار، وإذا أصاب شيئا من الحيوانات جراحة يقع عليها الذباب في الحال، ويكون سببا لهلاكها، إلاّ إذا كانت الجراحة في موضع يصل إليه الحيوان بفمه، فينقّيه باللّحس، وإنّما يكون الذباب سببا لهلاك الحيوان لأنه إذا وقع على الشيء ونم (٢) عليه، والدود يتولّد من ونيم الذباب، ومن عجائبه أنه ينم على الأسود أبيض وعلى الأبيض أسود (٣).

فائدة جليلة: قال بعض الحكماء: من الناس من هو كالذباب لا يقع إلاّ على عقر، فنظمه بعض الفضلاء فقال:

يدع الذّباب جميع جسمك سالما … ووقوعه بالطّبع عند قروحه

كالنّذل يعرض عن جميل صديقه … أبدا وليس يبثّ غير قبيحه

قال ابن البيطار: (٤) والذباب ألوان، للإبل ذباب، وللبقر ذباب، وللأسد ذباب، وأصله دود صغار يخرج من أبدانهن، وما يخرج من أبدان غير ذلك يتحول ذبابا وزنابير، وذباب الناس يتولد من الزبل، وإذا أخذ الذباب وقطعت رؤوسه ويحك بجسده على الشعرة التي تكون في الأجفان حكّا شديدا فإنه يبرؤه، وإن أخذ وسحق بصفرة البيض وضمد به العين التي فيها الأحمر من داخل الملصق الذي يسمّى كرماشيش فإنه يسكن من ساعته. وإن مسحت لسعة الزنبور بذباب سكن وجعه، وإن حكّ بالذباب على موضع داء الثعلب أبرأه.

قلت: قد ثبت فيه الحديث المشهور أنّ النبيّ قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثمّ انقلوه، فإنّ في إحدى جناحيه داء، وفي الآخر دواء، وإنه يتّقى بالجناح الذي فيه الداء» (٥). واللّه أعلم.

[١١٩ - ذراريح]

دويبة مشرّبة بحمرة وسواد، سمّ ناقع، من سقي منها تقرّحت مثانته؛ واشتدّ (٦) بوله، وأظلم بصره، وتورّم قضيبه وعانته، ويعرض له مع ذلك اختلاط العقل. قال الشيخ الرئيس: ويجد في فمه طعم القطران والزفت، والذراريح أصناف.


(١) الحيوان ٣/ ٣٢٠.
(٢) الونيم: خرء الذباب.
(٣) الكلام في عجائب المخلوقات/ ٤٧٥ - ٤٧٦.
(٤) جامع المفردات ٢/ ١٢٣.
(٥) روي الحديث أيضا في عجائب المخلوقات/ ٤٧٦.
(٦) في عجائب المخلوقات: يسدّ.

<<  <  ج: ص:  >  >>