حيّة قصيرة الذنب، من أخبث الحيّات، عيناها طولانية، مخالفة لعيون سائر الحيوانات، وحدقتاها بارزة كما الجراد، وإذا فقئت عينها تعود وتصلح، ولا تغمض عينها البتّة، وتختفي في التراب أربعة أشهر من شدّة البرد، ثمّ تخرج وقد أظلمت عينها، فتطلب شجرة الرازيانج وتحك عينيها فيرجع إليها ضوءها، وإذا قطع ذنبها نبت سريعا، وإذا ذبحت بقيت ثلاثة أيام تتحرك، والبقر الوحشي يأكلها أكلا ذريعا، وهي أعدى عدوّ للإنسان.
قال الجاحظ (١): الأفعى تظهر في الصيف في أول الليل إذا سكن وهج ظاهر الأرض، فتأتي قارعة الطريق، وتستدير كأنها رحىّ، وتلصق بطنها بالأرض، وتشخص رأسها متعرضة لمن يطؤها من إنسان أو دابّة لتنهشه، وسمّها موت ذريع سريع، وذكر أنها نهشت ناقة في مشفرها ولها فصيل يرضعها، فبقيت الناقة سادرة واقفة ومات الفصيل في الحال قبل موت أمّه فتعجبوا من سرعة سريان السمّ إلى لبنها حتى قتل الفصيل قبل أمّه. وإذا مرضت الأفعى تأكل ورق الزيتون فتبرأ، قال ابن البيطار (٢):
لحوم الأفاعي تسخن وتجفف البدن إذا هي طيبت كما يطيّب الجرّيّ والمرماهي (٣) بالزيت والملح والشبت والكراث والماء بمقدار قصد.
وحكي أنّ مجذوما أعدى غيره فسمج منظره، فلما كان وقت طلوع الشّعرى أحضر قوم شرابا في جرّة وتركوه في إجانة ليمزجوه ويشربوه. فوقع في الشراب أفعى فماتت ولم يعلموا بها، ثم إنهم أرادوا رحمة المجذوم وخلاصه مما هو فيه بالموت، فسقوه الشراب فبرئ من المرض بأن غلظ جسده وسقط كما يسقط ذوات الجنن الخزفية من الحيوان جلودها، وصار الذي بقي من لحمه من اللين مثل لحم الحلزون والأسداف والسرطان إذا سقطت جثثها الشبيهة بالأخزاف عنها.
وللحوم الأفاعي من قوّة التجفيف ما يفعل مثل هذا، ويتّخذ منها أقراص يلقى منها الترياق ويسحق وينخل ناعما ثم يلقى في الملح الذي يتأدم به هؤلاء، ولحوم الأفاعي تجفّف وتحلل تجفيفا وتحليلا قويّا، وإذا طبخ وأكل يحدّ البصر ويوافق أوجاع
(١) الحيوان ٤/ ٢١٣. (٢) جامع المفردات ١/ ٤٦. وليس فيه لفظ الجري. (٣) الجري: سمك معروف. والمرماهي: هو السليناج المعروف بالنون، وهو حوت طويل كالحيّات مشهور. جامع المفردات ٤/ ١٤٠.