والذي يحقق ذلك أنّا نرى الذباب والديدان في دكان القصاب، والدبّاس، ولا يرى في دكان البزاز والحداد مثل ذلك فاقتضت الحكمة الإلهية خلقها من تلك العفونات، لتمتص تلك العفونات، وتغتذي بها فيصفو الهواء منها ويسلم من الوباء، وجعل صغارها مأكولا لكبارها، وإلاّ ملأت وجه الأرض، فليس في ملكوته ذرّة إلاّ وفيها من الحكم ما لا يحصى.
وأعجب ما في هذا النوع أنّ كلّ ما جعل سمّه سببا لضرر حيوان جعل لحمه دافعا لذلك الضرر، فإنّ الأطباء الأقدمين وجدوا في لحم الحيّة قوّة تقاوم السموم، فأدخلوا لحمها في الترياق، والتجربة دلت على أنّ من لذعته العقرب يقتلها ويطلي موضع اللذع برطوبة جوفها فإنّ الألم يسكن في الحال، ثم إنّ هذا النوع من الحيوان يختلف حالها في الشتاء، فمنها ما يموت من البرد كالذبّان والبقّ والبراغيث، ومنها ما يمكث (١) أشهر الشتاء في باطن الأرض ولا تأكل شيئا كالحيات والعقارب، ومنها ما يدّخر للشتاء كالنمل والقمل فإنها لا تعيش في باطن الأرض بلا طعام، ولنذكر ذلك على العادة على حروف المعجم إن شاء اللّه تعالى.
[١٠٣ - أرضة]
دودة بيضاء صغيرة تبني على نفسها أزجا شبه الدهليز خوفا من أعدائها كالنمل وغيرها، فإذا أتى عليها سنة نبت لها جناحان طويلان تطير بهما، وهي التي دلت الشياطين على موت سليمان ﵇ تأكل منسأته، وإن خرجت آزاجها (٢) اجتمعت على عادتها وتبنيها، وإن خرب بعضها اجتمعت على بناء ما خرب، وسدّ ما انثلم، يفعل ذلك في أقلّ زمان.
وأمّا سبب ذلك الطين فقد قالوا: إنّ طبيعة هذا الحيوان بارد رطب، وبدنه متخلخل، ومسامه منفتحة يدخلها الهواء ويخمد من برودة طبعه، فيصير ما يرشح من بدنه ويقع على الأجزاء الأرضية بالغبار وغيره دائما فيجتمع عليه شبيه الوسخ، فهي تجمع ذلك من بدنها وتبنيه على نفسها كهفا لها من الآفات، وحصنا من الأعداء، ولها مشفران حادان تثقب بهما الخشب والآجرّ والحجارة، والنمل عدوّها يغلبها، وهو أصغر من الأرضة جثّة، فيأتي من خلفها ويحملها، وإن أتاها مستقبلا فلا يقدر عليها، وإذا نبت لها جناح يكون خصب العصافير، قال صاحب المنطق: إنّ الأرضة أفسدت كثيرا من منازل أهل القرى؛ حتى سلط اللّه عليها النمل، وقالوا: إذا بخّر بالزرنيخ
(١) رواية الأصل: يمكن. (٢) الآزاج: جمع أزج وهو ضرب من الأبنية. القاموس/ أزج.