للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن العجب أنه إذا أحست بدخول الدخان عليها لأخذ العسل فإنها تبادر إلى أكل العسل، فتأكله أكلا ذريعا، حتّى لو أمكنها استنفاذه لفعلت، وقيل: إنّ العسل الأبيض عمل شبابها، والأصفر عمل كهولها، وهو كما قال اللّه تعالى: ﴿شِفاءٌ﴾ (١)، فالمحرور يتخذه مع غيره لدفع الحرارة كالسكنجبين، والمبرود يستعمله وحده لدفع البرد.

ومن خواصّه أنّ العسل إذا وضع فيه ما يسرع إليه الفساد حفظه وأبقاه على حاله، ولا يعفن، ولا ينتن، ولا يتغيّر، ومن العسل صنف حريف، وهو سمّ قاتل، سمّه يذهب العقل، فكيف أكله؟!، وأما الشمع فهو جدران يموّت نحله الذي يبيض ويفرخ فيه، ويكون خزانة للعسل، وأمّا الموم فهو وسخ كوائر النحل، تجذب الشوك والنصول، ومن استصحبه أورثه الغم، ومنعه الاحتلام.

[١٣٩ - نمل]

حيوان حريص على جمع الغذاء، ولغاية حرصه يحمل ما يكون أثقل منه، وتعاون بعضها بعضا على الجذب، ويجمع من الغذاء ما يكفيه سنين، ولو عاش لا يكون عمره أكثر من سنة.

قال النسّابة البكري (٢): للنمل جدّان، فازر وعقفان، ففازر جدّ السود، وعقفان جدّ الحمر، ومن عجائبه، اتخاذ القرية (٣) تحت الأرض، وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات ومنعطفات تملأها حبوبا وذخائر للشتاء، وتجعل بعض بيوتها منخفضا لينصب إليه الماء وبعضها مرتفعا للحبّ.

روي عن أنس بن مالك قال: قال النبي : «لا تقتلوا النملة فإنّ سليمان خرج ذات يوم يستسقي، فإذا هو بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها تقول: اللّهمّ إنّا خلق من خلقك، لا غنى لنا عن فضلك، اللّهمّ لا تؤاخذنا بذنوب عبادك المخطئين، واسقنا مطرا تنبت به لنا شجرا، وتطعمنا به ثمرا، فقال سليمان : ارجعوا فقد سقيتم بغيركم» (٤).

ومن عجائبه أنه مع لطافة شخصه وخفّة وزنه؛ له شمّ ليس لشيء من الحيوان


(١) وذلك قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ الآية/ ٦٩ سورة النحل.
(٢) أبو عبيد البكري: عبد اللّه بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي، مؤرخ جغرافي ثقة علامة بالأدب، له معرفة بالنبات، كان ملوك الأندلس يتهادون مصنفاته، ولد في شلطيش غربي إشبيلية، وتوفي بقرطبة سنة ٤٨٧ هـ. له عدة مصنفات. ينظر عنه: طبقات الأطباء ٢/ ٥٢، وبغية الوعاة/ ٢٨٥.
(٣) في الأصل: الفرنة، تصحيف.
(٤) الخبر والحديث في عجائب المخلوقات/ ٤٩٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>