للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

مثله ولا قريب منه، فربّما يقع شيء من يدي الإنسان في موضع لا يرى فيه نملا، فلا يلبث إلاّ والنمل قد أقبل كالخيط الأسود الممدود إلى ذلك الشيء، وأيضا يشم رائحة الشيء الذي لا تظهر له رائحة لو وضعته على أنفك، كرجل جرادة يابسة منبوذة، يجد ريحها في جوف وكرها فيخرج إليها، وإن وجدت شيئا لا تقدر على حمله أخذت منه بقدر ما تستطيع حمله؛ وتأتي منذرة إلى الباقين، وكلّما استقبلتها واحدة شمّت من فيها لتستدلّ به على ذلك الشيء ثم يجتمعون عليه ويجرّونه بجهد وعناء، ولو اطّلعوا على أنّ واحدة منهنّ توانت في العمل أو تكاسلت عن التعاون اجتمعوا على قتلها، وإذا جمعت القوت من الحبّ في وكرها وخافت أن ينبت من الندى ويفسد قطعت كلّ حبّة قطعتين، فإنها لا تنبت، إلاّ ما كان من الكزبرة، فإنها تقطعها أربعا لأنها تنبت من أقلّ من أربعة، وإن كان شعيرا أو عدسا أو باقلاء فإنّهنّ يقشرنه، فإنه بقشره يمتنع نباته، ثم إذا خافت عليه العفن والفساد في الشتاء، فإذا طلعت الشمس عليه أخرجته على وجه الأرض ونشرته في الشمس، ثم تعيده إلى أماكنه من آخر النهار، وإذا أحست في وسط النهار بالغيم ردّت به إلى أماكنها خوفا من المطر، فإن دهمها المطر أو أقبل أخرجته في يوم الشمس فيّبسته.

ومن عجائبها أنها لا تقرب شيئا من الحشرات ما دام جسده صحيحا، فإن أصابها عقر من قطع يد أو رجل وثبت عليها وهي حيّة، فلا تفارقها حتى تقتلها، وإن أصاب الحيّة جراحة أو خدش وثبت عليها حتى تقتلها، وإذا نبت للنمل جناح وطار فيكون قد قرب هلاكه، وصار خصبا للعصافير، قال أبو العتاهية: (١)

فإذا استوت للنّمل أجنحة … حتّى يطير فقد دنا عطبه

قال ابن البيطار (٢): إذا سحق نمل المقابر الكبير بخلّ ولطخ به البرص أزاله وحيا، وإن أخذ النمل الكبير الأسود مئة عددا، وغرق في نصف أوقية دهن الرزاقي وترك ثلاثة أسابيع؛ ثم دهن به الإحليل فإنه يسرع الانعاظ ويوتر القضيب ويصلب عصبه، وإذا سحقه بالماء وطلي به الآباط بعد نتفها أبطأ نبات الشعر فيها.

١٤٠ - ورل (٣):

وهو العظيم من أشكال الوزغ وسام أبرص الطويل الذنب الصغير الرأس، وهو قوي سريع السير خفيف الحركة، عدوّ الضبّ والحيّة، يدخل جحر الضبّ ويأكله،


(١) البيت في حيوان الجاحظ ٤/ ٣٢ و ٣٦.
(٢) جامع المفردات ٤/ ١٨٣.
(٣) في الأصل: درك، والتصحيح عن عجائب المخلوقات/ ٤٩١.

<<  <  ج: ص:  >  >>