للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله: "لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم" لا يضرهم من خذلهم من الناحية العملية، ولا من خالفهم من الناحية العلمية. فالضرر منتف عن الطائفة المنصورة من الجهتين:

الأولى: الخذلان؛ كالمثبطين الذين إذا قيل لهم: قوموا معنا، انصروا دين الله، مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قالوا: هلك الناس، فلا فائدة ولا جدوى، ونحو ذلك من المعاذير، كما قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].

الثانية: المخالفة: المنازعة في الحق، واتباع المتشابه، فإذا قيل لهم: يا قوم! هذا الشرك الذي بُعث الأنبياء برده، قالوا: هذا مجرد تقرب بالصالحين، واستشفاع بهم، لمنزلتهم عند الله، ونحو ذلك. قوله: "حتى يأتي أمر الله " أمر الله الذي سيأتي هو ساعة المؤمنين؛ وليست الساعة الكبرى؛ وهي الريح الطيبة التي يبعثها الله تعالى في آخر الزمان؛ ريحها أطيب من المسك، ومسها ألين من مس الحرير، فتدخل خياشيم كل مؤمن فتستل روحه، فلا يبقى على وجه الأرض مؤمن، ويبقى في الأرض شرار الخلق، كما تقدم، فعليهم تقوم الساعة. فالساعة التي بمعنى خراب العالم، لا تقوم على مؤمن، وإنما تقوم إلا على شرار الخلق، وأما أهل الإيمان فإن لهم ساعة دون ذلك، وهي الريح الطيبة.

فقد أخبر بأن الطائفة المنصورة باقية -بحمد الله- لا تنقطع سلسلتها، وهذا هو الواقع، فإنه لم يزل من حماة السنة، وحراس العقيدة على مر العصور والدهور، من أقامهم الله تعالى في هذه المهمة الشريفة، فحفظوا السنن والآثار، ورووا أحاديث النبي على وجهها، وانتدبوا لتمييز الصحيح من الضعيف، وذبوا عن السنة، وجاهدوا في سبيل الله، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وصبروا، وصابروا، ورابطوا، حتى أبقى الله تعالى هذا الدين مصوناً محفوظاً لم يُشب.

مناسبة الحديث للباب:

ظاهرة، لما تضمنه من إخبار النبي بأنه يلتحق حي من أمته بالمشركين، وأن فئامًا من أمته تعبد الأوثان، وهذا مطابق للترجمة.

<<  <  ج: ص:  >  >>