فإن ذلك يسقط شفعته، (و) أما (الغائب) غيبة بعيدة فإنه (على شفعته وإن طالت غيبته) إذا كانت غيبته قبل وجود الشفعة له علم بالبيع أو لم يعلم، وليس للبعد والقرب حد على الصحيح واستدل لهذا بما رواه أصحاب السنن بإسناد صحيح عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال:«الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا»(١). قال ابن رشد: واختلف قوله في هذا الوقت، هل هو محدود أم لا؟ فمرة قال: هو غير محدود، وإنها لا تنقطع أبدا إلا أن يحدث المبتاع بناء أو تغيرا كثيرا بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت. ومرة حدد هذا الوقت، فروي عنه السنة، وهو الأشهر، وقيل أكثر من سنة. وقد قيل عنه: إن الخمسة أعوام لا تنقطع فيها الشفعة (٢).
(و عهدة الشفيع على المشتري) قال الفاكهاني: إن استحقها أحد من يد الشفيع فإنه يأخذها من غير أن يدفع فيها شيئا ويرجع الشفيع على المشتري بما أعطاه ويرجع المشتري على البائع بالثمن، (ويوقف الشفيع فإما أخذ أو ترك)؛ يعني: أن للمشتري أن يقوم على الشفيع ويلزمه بالترك أو الأخذ بالثمن الذي اشترى به إن كان مما له مثل، أو قيمته إن كان من ذوات القيم، فإن امتثل أحد الأمرين فلا كلام وإلا رفعه للحاكم، وإذا طلب التأخير ليختار أو ليأتي بالثمن أخر ثلاثة أيام.
(ولا توهب الشفعة ولا تباع)؛ يعني: لا يجوز للشفيع أن يهب أو يبيع ما وجب له من الشفعة. وصورة ذلك أن يقول زيد الذي قد وجبت له الشفعة لعمرو الذي لا شفعة له: قد وهبتك شفعتي التي قد وجبت لي عند خالد، أو
= مسائل في المذهب حدت بسنة (٦/ ٥٨٠). (١) أبو داود (٣٥١٨)، والترمذي (١٣٦٩)، قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب قال الحافظ في البلوغ: ورجاله ثقات، قال الصنعاني في سبل السلام (٣/ ٧٥): أحسن المصنف بتوثيق رجاله وعدم إعلاله وإلا فإنهم قد تكلموا في هذه الرواية بأنه انفرد بزيادة قوله: «إذا كان طريقهما واحدا» عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وصححه الألباني، انظر: حديث رقم (٣١٠٣) في صحيح الجامع. (٢) بداية المجتهد لابن رشد (٤/ ٥٤)، ط: دار المعرفة.