للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

يا حبذا وطن الحبيب النائي (١)

وقد ظل هاجسه طوال حجته هذه أن يعرف المكان، فبعد أن يطوي لنا خبر وصوله إلى الحرم المكي بقوله: «وكان أيضا حجا مباركا، كثير الخير والأمن في الطريق والحرمين، وباب الكعبة مفتوح للحاج مدة مقامهم ليلا ونهارا» (٢). نراه يقف ليحدثنا عن مكثه في منى يوم التروية، وتخلفه عن ركب الحج الشامي المتوجه إلى عرفات، ليتمكن - وقد خف الزحام - من رؤية الآثار بمنى والمزدلفة، فيقول: «وخرجت يوم التروية إلى منى، ولم أوافق الركب في التوجه إلى عرفات في ذلك اليوم، وبت أنا ورفيقي الشهاب غازي الناسخ الفقير ليلة عرفة بمسجد الخيف بمنى، ثم أصبحنا، وتوجهنا حين طلعت الشمس إلى نحو عرفات، فمررنا على تلك الآثار بمنى والمزدلفة، وحدود الحرم وحدود عرفة، والمسجد الذي بعضه من أرض عرنة، وبعضه من أرض عرفة، ثم توجهنا إلى الموقف، شرفه الله تعالى» (٣).

وبينما كان أبو شامة في عرفات سمع من الحاج العراقي خبر وفاة الخليفة الناصر لدين الله في أواخر شهر رمضان، وولاية ابنه الظاهر من بعده (٤). وكان قد مر على وفاته شهران وعشرة أيام!

وبعد إفاضته من عرفات، ومبيته بمزدلفة، ورميه جمرة العقبة بمنى يدخل الحرم ليطوف طواف الإفاضة مع الطائفين، فيرى الكعبة المشرفة، وقد ألبست الكسوة السوداء التي يرسلها خليفة بغداد كل عام، وفي أعلاها الطراز الأبيض الذي يكتب فيه اسم الخليفة الذي نسجت في أيامه، ويقف أبو شامة ليقرأ ما كتب على هذا الطراز، فيجد اسم الناصر قد كتب في جانبين منه، وفي الجانبين الآخرين كتب


(١) «المذيل»: ١/ ٣٨٠.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
(٣) «المذيل»: ١/ ٣٧٩.
(٤) المصدر السالف.

<<  <   >  >>