للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ألقى أبو شامة برأيه فيه بهذه الصراحة الجارحة، غير عابئ بما ستجره عليه تلك الكلمات من عداوة لا تهدأ.

وإذا كان هذا موقفه من علماء السلاطين، فقد كان موقفه أشد ممن تعاون منهم مع التتار، فيقول في ترجمة الفخر محمد بن يوسف الكنجي: «قتل بالجامع».

وكان من أهل العلم بالفقه والحديث، ولكنه كان فيه كثرة كلام، وميل إلى مذهب الرافضة، جمع لهم كتبا توافق أغراضهم، وتقرب بها إلى رؤساء منهم في الدولتين الإسلامية والتاتارية .. ثم وافق الشمس القمي فيما فوضه إليه من تخليص أموال الغائبين وغيرهم، فانتدب له من تأذى منه، وألب عليه بعد صلاة الصبح، فقتل، وبقر بطنه، كما قتل أشباهه من أعوان الظلمة» (١).

ولم يكن أبو شامة يتسامح مع من يعتدي على أوقاف المسلمين أو يسيء القيام عليها، ولو كان في منزلة شيخه ابن الصلاح، فيقول في ترجمة ابن رواحة، واقف المدرسة الرواحية: «وكان قد أسند النظر في مدرسته التي بدمشق إلى الشيخ تقي الدين عثمان بن الصلاح، ثم إنه بعد موته - يعني موت ابن رواحة - شهد عليه بالعزل له الشيخان تقي الدين خزعل، ومحيي الدين محمد بن العربي وكانا ساكنين قريبا من المدرسة - فزعما أنه استدعاهما ليلا، وأشهدهما عليه بعزل ابن الصلاح عن نظر المدرسة، وجرت في ذلك فصول لا حاجة إلى ذكرها، وكأنه كان قد ألهمه الله تعالى المصلحة في ذلك، فإن ابن الصلاح أسند النظر إلى شخص، أسنده ذلك الشخص إلى ولد له، فغلب على وقف المدرسة وتدريسها بغير أهلية ولا استحقاق ولا أمانة، ولا عدل ولا إشفاق، والأمر على ذلك إلى الآن، والله المستعان» (٢).


(١) «المذيل»: ٢/ ١٥٠.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣٩١.

<<  <   >  >>