للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أبقى عليه النظر في مال الأيتام (١)، وأن يستقل بتولية النواب بنواحي الوجهين القبلي والبحري، لا يشاركه فيه غيره (٢). فصار من ذلك الوقت أربعة قضاة في مصر يحكم كل منهم بمذهبه.

فهل كان الظاهر حقا منزعجا من تشدد القاضي ابن بنت الأعز في أحكامه، وتوقفه في القضايا التي لا توافق مذهبه؟ وهل كان يستشعر حاجة الناس إلى قضاة من المذاهب الأخرى؟ وهل كان حقا يريد أن يكسب بذلك النخب الدينية والفئات الشعبية بعد أن كسب النخب السياسية بإعادته الخلافة العباسية، وتمكنه من التتار والصليبيين كما يرى باحث معاصر (٣)؟

أسئلة تثار، ولعلنا نستطيع في البحث عن جوابها أن نقف على الدافع الحقيقي الذي كان وراء تعيين الظاهر بيبرس القضاة الأربعة، وبخاصة أنه شيء ما أظنه جرى في زمان سابق على حد تعبير أبي شامة (٤).

لو كان انزعاجه منصبا على شخص القاضي لا على مذهبه لكان قد عزله، وأتى بقاض غيره أطوع له فيما يريد، وفي كلمة الأمير جمال الدين أيدغدي ما يوضح لنا أن الانزعاج كان لتفرد المذهب الشافعي بالحكم، ألم يقل له: مذهب الشافعي لك، ونولي من كل مذهب قاضيا؟ فالضيق كان من تحكم المذهب الشافعي في الفصل بين القضايا، ولربما في بعضها ما لا يرغب فيه السلطان، والذي يجعلنا نميل إلى هذا الرأي أن السلطان لم يكن يمانع في تحكم المذهب الشافعي حين


(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٣٨ - ٥٤٠.
(٢) «صبح الأعشى»: ٤/ ٣٦.
(٣) قال ذلك د. رضوان السيد في مقاله: «الفقه والفقهاء والدولة، صراع الفقهاء على السلطة والسلطان في العصر المملوكي»، مجلة «الاجتهاد»، العدد الثالث، ربيع الأول سنة ١٩٨٩: ص ١٣٦ - ١٣٧.
(٤) «المذيل»: ٢/ ٢١٤.

<<  <   >  >>